فتحت باب الحمّام ولقيت أخويا واقف جنب مراتي وساعتها بس استوعبت إيه اللي كان محطوط فوق الحوض. أخويا كريم كان واقف في حمّامي هدومه مبلولة لحد ياقة التيشيرت، ماسك ندى من وسطها كأنه بيمنعها تقع، بينما دبلة جوازها كانت متشالة ومرمية جنب الحوض. الساعة كانت 1247 الضهر وفي اللحظة دي حسّيت إني ببص على نهاية جوازي بعيني. أنا وندى كنا متجوزين بقالنا أربع سنين. لحد اللحظة دي، كنت ممكن أحلف بكل فلوس مرتبي إني واثق فيها من غير تفكير. كانت أكتر شخص ثابت في حياتي صوتها الهادي، ريحة البيت النضيفة، وفنجان الشاي اللي كانت بتحطه قدامي قبل حتى ما أعترف إني مرهق. الصبح بعتتلي رسالة تقول إنها تعبانة جدًا. سخونية، صداع، وجسمها مش قادر يقوم من السرير. عرضت أرجع البيت، لكن كان عندي عرض مهم في الشغل مستنيه من أسابيع، وهي أصرت إني أكمل يومي عادي. الساعة 1158 بعتت متقلقش هبقى أحسن، وبعدها هحكيلك. كان المفروض أتصل بيها. وقت البريك، ماكنتش قادر أركز في أي رقم قدامي. سيبت الشغل بدري، وعدّيت على الفرن والسوبر ماركت، جبت رز وشوربة وحاجات خفيفة، وطلعت على شقتنا شايل حلة الشوربة الزرقا القديمة بإيد واحدة. مدام سناء، جارتنا اللي في الدور التالت، ممرضة على المعاش بشعرها الأبيض المضفور، شافتني وأنا بحاول أفتح الباب بالعافية وسألتني إذا كانت ندى كويسة. قلت غالبًا دور برد بس. لكن مقبض الباب كان ساقع بشكل غريب في إيدي. أول ما زقيت الباب اكتشفت إنه موارب أصلًا. وده ماكنش طبيعي. ناديت على ندى مرة وبعدها بصوت أعلى. مفيش رد. ريحة الشقة كانت كلور وبخار وقماش مبلول مش ريحة دوا ولا أكل. وفي آخر الطرقة، كان فيه صوت مية بتخبط في أرضية الحمّام بسرعة مستفزة غلط. وبعدين سمعت صوت راجل. صوت تقيل مألوف. بعده ضحكة قصيرة متوترة خلت ضهري كله يشد. حطيت الحلة على الترابيزة بعنف لدرجة إن الغطا وقع واتدحرج في الطرقة وهو بيخبط في الحيطان كأن الشقة نفسها بتحاول تحذرني. وبرضه محدش رد. كل خطوة ناحية الحمّام كانت وقلبي بيخبط لدرجة إني حاسس النبض في سناني. الدش كان شغال. المراية كلها بخار. ومن فتحة الباب شفت كتف راجل بيتحرك ورا ندى. زقيت الباب بعنف. كريم كان أول واحد يبصلي. هدومه كانت مبلولة بالكامل، والتيشيرت لازق في جسمه، وإيده ملفوفة حوالين وسط ندى كأنه بيسندها. ندى كانت حافية، شعرها لازق في وشها من المية، وإيديها متسندة على السيراميك الأبيض. ماكانتش باصة كإنها متلبسة. كانت باصة كإنها منهارة. وفوق الحوض جنب الحنفية مباشرة كانت دبلة جوازها. وجنبها اختبار حمل عليه خطين ورديين واضحين. لثانية كاملة ولا حد اتكلم. الصمت وقتها كان أوحش من أي اعتراف. بصيت لإيدها من غير الدبلة. ولإيد أخويا على وسطها. ولاختبار الحمل. وللمية اللي لسه بتنزل. وللكيس الشفاف بتاع المستشفى الواقع جنب الحوض، وورقة طالعة منه نصها ظاهر. الثقة مش هي اللي بتحسها وقت ما الدنيا هادية الثقة هي اللي بيفضل منها بعد أبشع خمس ثواني في حياتك. وأنا سقطت في الاختبار ده. سألت السؤال اللي مافيش راجل المفروض يسأله قبل ما يعرف الحقيقة كاملة. سألته بصوت عالي جارح بصوت واحد حكم على اتنين قبل حتى ما يسمع تفسير. كريم أخد خطوة لقدام ووقف بيني وبينها. وقال ماتخليش الموضوع أسوأ من كده. الجملة ضربتني كأنه جاي يفرض سيطرته في بيتي. صرخت فيه إنت في حمّامي ماسك مراتي وجاي تقولي أعمل إيه؟! ندى رفعت عينيها ناحيتي. كانوا محمرين مش من الذنب. من الخوف والتعب والوجع. قالت بصوت مكسور كنت برن عليك وإنت ماردّتش. الكلام كان المفروض يهديني. بس ما هدّانيش. لأني ماكنتش شايف غير مراتي وأخويا مقفولين سوا في الحمّام واختبار حمل ماعرفش عنه حاجة ودبلة متشالة وسر هم الاتنين عرفوه قبلي. فك كريم كان مشدود. ندى كانت بتترعش. وصوت المية كان بيعدّ الثواني كأنه ساعة بتحاكمنا كلنا. وفجأة ركبها خذلتها. كريم لحقها قبل ما دماغها تخبط في السيراميك. الفوطة المبلولة زحلقت ناحية البالوعة. وفجأة صوت مدام سناء جه من الطرقة حاد وقوي وسعوا كده سيبوني أشوفها. لفّيت لقيتها داخلة لابسة جوانتي طبي، ووشها بارد ببرود الناس اللي شافت عائلات بتنهار قبل كده في مطابخ وحمّامات وطرقات. بصت على ندى بعدين على الحوض بعدين على كيس المستشفى. وسألت مين اللي وداها الطوارئ؟ كريم بلع ريقه وقال أنا. كلمة أنا نزلت عليّ كأنها خبطة في صدري. مش غيرة تأنيب. لأني وقتها افتكرت شاشة موبايلي المقفولة على وضع الصامت. افتكرت المكالمات اللي تجاهلتها وأنا في الاجتماع. افتكرت القهوة الساقعة على مكتبي. وافتكرت إني أقنعت نفسي إنها بتبالغ علشان ما أضيعش الشغل. مدام سناء انحنت، طلعت الورقة من كيس المستشفى. كان عليها توقيت 1213. واستمارة كشف وكلمة طبية ماقدرتش أقراها لأن نظري بدأ يضبّب. كريم مدّ الورقة ناحيتي بإيده المبلولة وقال اقرا الأول قبل ما تتكلم تاني. لسه ماكنتش فاهم ليه هو وصل قبلّي. ولسه ماكنتش فاهم إيه اللي ندى بتحاول تخبيه. ولما نادت اسمي بصوت شبه مختفي وقالتلي اقرا أول سطر قبل ما تكرهنا. فهمت إن أسوأ حاجة في الحمّام ده يمكن ماكنتش أبدًا اللي تخيلته. إيدي كانت بتترعش وأنا باخد الورقة من كريم. الميه لسه بتنزل من الدش، وصوتها بقى أبرد أبطأ كأنه بيغرق كل كلمة اتقالت من شوية. بصيت على أول سطر. Threatened miscarriage. تهديد بالإجهاض. حسّيت الكلمة وهي بتخبط جوا دماغي أكتر من أي شتيمة ممكن أسمعها. تحتها بخط صغير المريضة وصلت في حالة إغماء وهبوط حاد وضغط منخفض. وبعدين التاريخ والوقت 1141 صباحًا. قبل ما أنا حتى أقرر أسيب الاجتماع. رفعت عيني ناحية ندى. كانت ساندة راسها على الحيطة، وشها لمحة نيوز شاحب بشكل مرعب، وعينيها مليانين دموع محبوسة مش قادرة تنزل. همست كنت بنزف الكلمة قسمتني نصين. مدام سناء أخدت نفس طويل وقالت بحدة مراتك كانت ممكن تفقد البيبي النهارده. البيبي. أنا حتى ماكنتش أعرف إن فيه بيبي أصلًا. بصيت لاختبار الحمل فوق الحوض. الخطين الورديين بقوا أوضح من أي حاجة تانية في الحمّام. ندى بلعت ريقها بالعافية وقالت كنت عايزة أقولك النهارده كنت مستنياك ترجع بدري. افتكرت رسالتها وبعدها هحكيلك. يا رب يا رب أنا عملت إيه؟ بصيت لكريم، ولسه جزء جوايا بيرفض يصدق الصورة اللي شافها. قلت بصوت مبحوح إنت جيت هنا إزاي؟ كريم ضحك ضحكة قصيرة كلها تعب وقال لأنها اتصلت بيا بعد ما حاولت تكلمك خمس مرات. الكلمة نزلت في بطني زي حجر. خمس مرات. مدّ موبايلي ناحيتي. كان لسه في جيبه. أنا أصلًا نسيته في العربية على الصامت. خمس مكالمات فائتة. وثلاث رسايل. الأخيرة كانت أنا خايفة. حسّيت إني عايز أرجع بالوقت عشر ساعات بس عشر دقايق حتى. أي حاجة تمنع اللحظة دي. ندى بدأت تبكي أخيرًا. مش بكاء عالي. البكاء الوحش اللي بيطلع من حد خلص كل طاقته. قالت صحيت ولقيت دم كتير حاولت أقوم وقعت كلمتك مردّتش فكرت هضيع لوحدي كريم بصلي وقال أنا كنت أقرب حد رد. مدام سناء بدأت تقيس نبضها، وطلبت مني أجيب بطانية بسرعة. اتحركت أخيرًا، لكن رجلي كانت تقيلة كأني ماشي تحت الميه. وأنا بجيب البطانية من الأوضة، عيني وقعت على حاجة فوق الكومود. علبة صغيرة ملفوفة بشريط أصفر. كان مكتوب عليها بخط ندى لبابا. وقتها صدري كله وجعني. فتحتها بإيد بترتعش. جواها كان فيه شراب أطفال صغير جدًا وصورة سونار. أنا كنت هبقى أب. وهي كانت ناوية تقولي النهارده. لكن بدل ما أكون جنبها دخلت الحمّام وأنا شايفها خاينة. رجعت وأنا مش قادر أبص في عينها. قعدت جنبها على الأرض المبلولة. قلت بصوت متكسر أنا آسف ندى قفلت عينيها كأن الاعتذار متأخر قوي. مدام سناء قالت الاعتذار بعدين. لازم تنزلوا المستشفى حالًا. كريم ساعدني نشيلها. وأنا أول مرة أحس قد إيه أخويا كان ثابت أكتر مني. في العربية، ندى كانت ساكتة طول الطريق. ماسكة بطنيها بإيد، وإيدي بالإيد التانية. بس برود صوابعها كان مرعب. كل إشارة كنا بنقف عندها كانت بتقتلني. كل ثانية بفكر لو خسرتهم؟ لو أنا السبب؟ وصلنا الطوارئ، والدكاترة دخلوها فورًا. وسابوني أنا وكريم قاعدين بره تحت ضوء أبيض بارد يخلي أي بني آدم يحس بالذنب. لأول مرة من سنين ماكنّاش بنتخانق. ولا بنتكلم أصلًا. بعد حوالي نص ساعة، كريم قال بهدوء إنت فاكر يوم وفاة بابا؟ بصيتله باستغراب. قال أنا وقتها كنت واقف جنب المستشفى وإنت كنت جوا ماسك إيده. سكت ثانية. عمري ما كرهتك على إنك كنت موجود قبلي. الكلمة ضربتني في قلبي. لأن ده بالضبط اللي أنا عملته فيه. حكمت عليه من منظر ومن خوفي. الدكتور خرج بعد ساعة تقريبًا. قلبي وقف. قال الحمل لسه مستقر لكن لازم راحة تامة. الضغط النفسي كان خطر جدًا. ركبي تقريبًا خانوني من الراحة. دخلتلها الأوضة بعدها. ندى كانت نايمة بتعب، المحلول في إيدها، وشها أهدى شوية. قربت ببطء. فتحت عينيها أول ما حسّت بيا. فضلت باصةلي كام ثانية طويلة. قلت أنا خوّفتك بدل ما أحميكي. دمعة نزلت من عينها بهدوء. وقالت وأنا خوّفت إني أخسرك أول ما عرفت. قعدت جنبها، وسندت راسي على إيدها. لأول مرة فهمت إن الثقة مش إنك ما تشكش أبدًا الثقة إنك لما الدنيا تديك أسوأ صورة ممكنة تستنى الحقيقة قبل ما تكسر قلب حد بتحبه. بعد أسبوعين، رجعنا البيت. مدام سناء طلعتلنا بشوربة سخنة كعادتها، وكريم كان بيصلّح باب الحمّام اللي أنا خبطته بعنف يومها. وقفت أبصله وهو بيركب المفصلة الجديدة. قلتله أنا آسف. رد من غير ما يبصلي عارف. قلت بس أنا فعلًا كسرتك بالكلام. سكت شوية وبعدين قال المهم ما تكسّرش بيتك. في الليلة دي، وأنا واقف في المطبخ، ندى دخلت بهدوء. حطيت إيدي على بطنها. ابتسمت لأول مرة من يوم الحادثة. وقالت فاكر أول حاجة قولتهالي بعد الجواز؟ ابتسمت رغم وجعي إني عمري ما هسيبك لوحدك. ندى سندت راسها على صدري وهمست خليك فاكرها. بصيت على انعكاسنا في إزاز المطبخ أنا، وهي، والحياة الصغيرة اللي نجت بأعجوبة. وفهمت إن أخطر حاجة ممكن تدمر أي بيت مش الخيانة. الخوف. لأن الخوف بيخليك تشوف أسوأ الناس في أكتر الناس حبًّا ليك.