راحت تولد لوحدها

راحت كريمة المستشفى قبل الفجر بشوية، رجليها بتترعش من التعب وبطنها مشدودة من الألم، وكل نفس بتاخده كأنه طالع من جرح مفتوح، كانت لوحدها تمامًا، مفيش إيد تتمسك فيها ولا صوت يطمنها، وفي الاستقبال سألوها جوزك فين فقالت بابتسامة تعبانة إنه جاي في الطريق، لكن الحقيقة إن محدش كان جاي، مدحت سابها من شهور بعد ما وعدها ببيت وأسرة واختفى فجأة من غير تفسير، كريمة ما وقعتش، اشتغلت وتعبت واستحملت وكل يوم كانت تكلم اللي في بطنها وتقول له أنا أمك وأبوك وأنا كفاية عليك، لحد ما جه يوم الولادة، 12 ساعة من الألم والصبر والدعاء، لحد ما في لحظة الطفل اتولد وصرخته دخلت قلبها زي النور فانهارت من العياط، الممرضة قالت لها إنه زي القمر، لكن فجأة لما دخل الدكتور رفعت يفحص الطفل اتجمد مكانه وعينيه اتملت دموع وإيده اتهزت، وسألها أبو الطفل اسمه إيه، استغربت لكن قالت مدحت رفعت، فسكت لحظة وبص للطفل تاني وقال بصوت مكسور ده حفيدي، مدحت ابني، كريمة حسّت إن الدنيا بتلف بيها، إزاي الراجل اللي قدامها يبقى أبو الشخص اللي كسرها، لكن الدكتور قعد وقال إنه بقاله سنين بيدور على ابنه اللي ساب البيت بعد خلاف كبير وقطع كل صلة بيه، وإنه حاول كتير يوصله لكنه اختفى، وبص للطفل وقال إن ربنا رجّعهوله بالطريقة دي، كريمة كانت خايفة ومتوقعة يسيبها أو يلومها لكنه قال لها بثبات إنها مش لوحدها وإنه هيكون

جنبها هي وابنها، وفعلاً اهتم بيها وخرجها من المستشفى وساعدها تعيش في أمان، وبعدها بدأ يدور على مدحت لحد ما لقاه بعد شهور، كان تعبان وشكله متغير، أول ما عرف إنه عنده ابن انهار وقال إنه غلط وهرب لأنه كان خايف ومش جاهز، لكن الدكتور قال له إن الهروب مش حل وإن فيه طفل مالوش ذنب وست شالت عنه كل حاجة، مدحت طلب فرصة يصلح اللي فات، كريمة في الأول رفضت تقابله لأن جرحها كان لسه كبير، لكن مع الوقت ومع أفعاله مش كلامه بدأت تديله فرصة قدام ابنها، مدحت اشتغل وتغير وحاول يعوض اللي فات، مش كل حاجة رجعت زي الأول لكن بقى فيه احترام ومسؤولية، وكريمة فضلت قوية زي ما هي، مش محتاجة حد يكملها لكنها اختارت تفتح باب جديد بحذر، أما الدكتور رفعت فبقى جد حنون وأب اتعلم من أخطائه، وفي يوم وهو شايل حفيده ابتسم وقال إن ربنا ساعات بيصلّح الغلط بطريقته حتى لو بعد وقت طويل، وهنا انتهت الحكاية اللي بدأت بوجع كبير لكنها خلصت بقوة وأمل وبداية صح.
عدّى على رجوع مدحت في حياة كريمة حوالي 6 شهور… ست شهور مش سهلين، كل يوم فيهم كان اختبار جديد، مش بس ليه… لكن ليها هي كمان.
كريمة كانت عايشة بمبدأ واحد: “اللي اتكسر مرة… صعب يرجع زي الأول.”
وعشان كده، عمرها ما فتحت له الباب بسهولة، ولا صدّقت كلامه بسرعة.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *