امك جايه تقعد معانا روايات رولا

“أنتِ بتبالغي…”
“أنا ببالغ؟!” منار حسّت إنها خلاص هتفقد أعصابها. “آخر مرة زارتنا، قعدت يومين بحالهم تقول لي إن الستاير متعلقة غلط، والشوربة حادقة، وإن الستات اللي بيهتموا بشغلهم وقرارهم نادر لما يكونوا زوجات شاطرين! يومين يا أحمد! ودلوقتي هتقعد أسبوعين!”
“أمي ما كانتش تقصد كده…”
“أيوة طبعاً. هي عمرها ما بتكون تقصد حاجة!” منار مسكت المج بتاعها وودته عند الحوض. “عارف إيه؟ أنا أخدت قراري. أمك جاية تقعد معانا طول الإجازة كلها؟ خلاص قعد أنت معاها. أنا ماشية!”
“منار، أنتِ بتقولي إيه؟ رايحة فين؟”
“عند إيمان! هي كانت عزماني أقضي رأس السنة معاها، بس أنا رفضت عشان كان عندنا خطط. كان عندنا خطط يا أحمد! بس دلوقتي أنت وأمك عندكم خططكم الخاصة، فأن كمان هعمل خططي الخاصة!”
أحمد بص لها بذهول، ومش قادر يصدق إن ده بيحصل بجد.
“منار، تعالى نتكلم في الموضوع ده بالراحة…”
“بالراحة؟” لفت وشها وبصت له. “الشيء الطبيعي كان إنك تستشيرني الأول وبعدين تعزم حد يعيش في بيتنا أسبوعين! الشيء الطبيعي كان إنك تحترم خططي ورأيي! اللي أنت عملته إنك حطيتني قدام الأمر الواقع بقرار أنت أخدته خلاص!”
منار خرجت من المطبخ، وسابت أحمد واقف في نص الاوضة ووشه باين عليه الذنب. في أوضة النوم، طلعت تليفونها واتصلت بإيمان.
“أهلاً يا بنتي!” صوت إيمان كان فرفوش ومتفائل. “بتتصلي متأخر ليه كده؟”
“إيمان، هو عرضك إننا نقضي رأس السنة سوا لسه قائم؟”
“طبعاً! أنا كنت فاكرة أنتِ وأحمد عندكم خطط…”
“الخطط اتغيرت،” منار قالت بضحكة جافة. “أمه جاية تقعد. الإجازة كلها.”
“يا نهار أبيض،” إيمان قالت وهي بتمد في الكلام. “نفس الست اللي قعدت تحقق معاكي على الفستان اللي كنتِ لابساها في حفلة الشغل آخر مرة زارتكم فيها؟”
“هي بعينها. بس المرة دي هيجيلها أسبوعين كاملين للتحقيقات بتاعتها.”
“يبقى لمي هدومك وتعالي اقعدي معايا! عندي خطة مثالية. يوم واحد وتلاتين، نحتفل برأس السنة في البيت مع الشمبانيا وسلاطة أوليفيه من إيدي. يوم اتنين، نروح نتزحلق على الجليد أو نخرج في بارك في زايد. يوم تلاتة، نروح القبة السماوية — كان نفسي أزورها من زمان! ويوم أربعة عيد ميلادي، فاكرة؟ وبعد كده، نشوف إيه اللي يحصل. هنرتجل!”
“ده كلام ممتاز.” منار حسّت إن جزء من التوتر بيطلع من جسمها. “هجيلك بكرة بعد الشغل.”
لما قفلت المكالمة، أحمد ظهر عند الباب.
“أنتِ بتتكلمي بجد؟”
“جداً.”
“منار، ده كلام فارغ! إحنا عيلة. المفروض نقضي الإجازات سوا!”
“صح،” وافقت وهزت رأسها. “بس إننا نكون عيلة ده معناه إننا نأخد القرارات سوا. أنت أخدت القرار ده لوحدك، فدلوقتي استمتع بالعواقب.”
مساء يوم ثلاثين ديسمبر، منار لفت شنطة فيها هدومها. أحمد كان عمال يجري ويثور في الشقة، يتنقل بين إنه بيحاول يقنعها تقعد وبين إنه بيتهمها إنها طفولية وأنانية.
“أمي بتحاول تعمل مجهود. هي عايزة تقضي وقت معانا، وأنتِ ماشية بس عشان تعملي موقف! شكلنا إيه قدامها؟”
“وشكلك إيه أنت وأنت حتى ما سألتنيش؟” منار ردت بهدوء وهي بتحط شنطة المكياج في الشنطة. “أحمد، أنا مش عايزة خناق. أنا بس عايزة أرتاح. وبما إنك مش قادر توفر لي الفرصة دي، أنا هظبطها بنفسي.”
“بس بكرة رأس السنة!”
“عارفة. وأنا هحتفل بيه مع إيمان. هننبسط، من غير محاضرات ونصايح عن المفروض أعيش حياتي إزاي. وبالمناسبة، سلم لي على أمك. مش لازم تقول لها إني مشيت بسببها. اخترع أي حاجة عن سفريات شغل مستعجلة أو صاحبتك المريضة.”
شالت شنطتها ومشت ناحية الباب. وعلى العتبة، لفت.
“حاجة أخير يا أحمد. وأنت عندك حبة وقت فاضي، فكر مين يهمك أكتر — مراتك ولا أمك. عشان المرة الجاية، ممكن ما أمشيش عشان الإجازة بس. ممكن أمشي على طول.”
الباب اتلقفل.
​أحمد فضل واقف في نص الطرقة، باصص على المكان اللي منار كانت واقفة فيه من شوية. ولأول مرة من كام يوم، فهم بجد هو عمل إيه.
شقة إيمان كانت دافية ولطيفة. شقة صغيرة أوضتين وصالة قريبة من الكورنيش، وفيها شجرة كريسماس في ركن الصالة وحبال أنوار متعلقة في الشبابيك.
استقبلوا السنة الجديدة بكاسات العصير الفوار، وبيضحكوا على النكت الهبلة في التلفزيون وبيخططوا للأيام اللي جاية.
“في صحة الحرية!” إيمان قالت وهي بترفع كاسها.
“في صحة الحرية — وفي صحة الصحاب اللي دايماً موجودين لما بنحتاجهم،” منار أضافت.
أحمد ما بطلش يبعت لها رسايل. الأول كانت تهاني بالسنة الجديدة، بعدين اعتذارات، وأخيراً شكاوى من إزاي أمه بتنتقد تنظيفه وطبخه.
ردود منار كانت قصيرة ومقتضبة. ما كانتش خلاص غضبانة — كانت بترتاح.
يوم اتنين يناير، خرجت هي وإيمان يتزحلقوا على الجليد، ولأول مرة من شهور طويلة، منار حسّت إنها من غير هموم بجد. يوم تلاتة، زاروا القبة السماوية. بالليل، أحمد اتصل بيها.
صوته كان باين عليه التعب والإرهاق ومزنوق.
“منار، عاملة إيه؟”
“زي الفل. أنت عامل إيه؟”
كان فيه سكوت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *