اول قعده في بيت منصور
أول قاعدة في بيت منصور الدمنهوري كانت بسيطة…
محدش يفتح باب الجناح الشرقي.
الطباخين كلهم عارفين.
السواقين عارفين.
حتى الحراس اللي شايلين سلاح كانوا بيوطوا راسهم وهما معديين من الممر الرخامي الطويل، اللي كان دايمًا ريحته أدوية، ومطر، ودخان سېجار فاخر… الراجل صاحب البيت مبقاش حتى قادر يدخنه.
الممرضات كانوا بيدخلوا بالأدوية، وبكلام هادي، وإيدي نضيفة…
ويخرجوا وشهم أصفر.
وأوقات كتير وهما بيرتعشوا.
اطلعوا برة.
كان منصور بيزمجر بصوت مخيف.
أنا مش محتاج شفقة من حد.
في إسكندرية… اسمه كان بيتقال بالراحة.
مش بصوت عالي.
ومش قدام الأطفال.
رسميًا… كان صاحب مطاعم، ومخازن، وشركات حراسة، وليه نصيب كبير في شغل الميناء.
لكن الناس كانت بتحكي كلام تاني…
إنه يقدر يقفل أي دين بتليفون واحد.
ويفتح أي باب مقفول قدام غيره.
ويكسر كبرياء أي راجل بنظرة واحدة.
لكن بعد ما واحد من أقرب الناس ليه حطله سم في كوباية النبيذ…
أخطر راجل في المدينة بقى مش قادر يرفع إيده من غير ۏجع.
أما أنا…
فما كنتش غير شغالة.
اسمي ندى عبد الحميد.
كنت بنضف الأوض، وأغير الملايات، وأشيل الصواني، وأمسح التراب من فوق التحف الغالية، وأحاول على قد ما أقدر مبصش للأبواب اللي وراها كانت بتتحدد مصاير ناس.
في يوم تلات، والدنيا مقلوبة مطر…
كسرت القاعدة اللي أنا حطاها لنفسي.
خدت بنتي معايا الشغل.
مريم كان عندها أربع سنين.
ضفيرتين صغيرين.
جزمة مطر صفرا.
أرنوب قماش ماسكاه تحت دراعها.
وسماعة سمع لونها بينك ورا ودنها، ساعات كانت بتقلعها لما الدنيا حواليها تبقى مزعجة، حتى لو هي أصلًا مبتسمعش زي باقي الناس.
ماكانش عندي حد يقعد معاها.
ولا كان معايا فلوس.
ولا كان عندي أي اختيار.
في أوضة الخدم، نزلت لمستواها.
على الترابيزة كان فيه حلة محشي كبيرة بتبرد مخصوص للحراس، وعند الشباك كانت فوطة مطرزة قديمة معلقة، والمطر كان بيخبط على الإزاز پعنف لدرجة إن مريم كانت حاسة بالاهتزاز بإيديها.
بصتلها وعملت بإيدي الإشارات اللي متعودة عليها، وفي نفس الوقت همست
اقعدي هنا يا حبيبتي… متخرجيش… وإوعي تروحي الممر الطويل.
هزت راسها وهي مركزة.
فضلت مكانها تلتاشر دقيقة.
بعدها…
فضولها كسب.
خرجت تمشي في الممر الرخامي، اللي نور المطر كان منعكس عليه كأنه مية باردة.
وأنا وقتها كنت بغير ملايات أوضة الضيوف، وفاكرة إنها قاعدة بترسم.
ماكنتش أعرف إن بنتي ماشية ناحية الجناح الشرقي…
المكان اللي حتى الكبار كانوا بيخافوا يبصوا ناحيته.
في آخر الممر…
باب أوضة منصور كان موارب.
فتحة صغيرة.
تكفي إن طفلة تشوف الۏجع.
كان قاعد على السرير، ومايل على جنبه، وقابض بإيده على صدره.
وشه بقى رمادي.
شعره غرقان عرق.
وفكه مقفول بقوة، كأنه رافض ېصرخ حتى وجسمه خلاص مبقاش مستحمل.
مريم كانت بتعرف الۏجع.
مش بأذنها…
لكن بعينيها.
وبطريقة النفس.
وبتغير ملامح الناس.
عشان كده…
دخلت.
منصور فتح عينه مرة واحدة.
وقال بصوت متقطع
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
حاول يمد إيده ناحية زرار النداء…
بس إيده اتهزت.
مريم ماخافتش.
هي أصلًا مسمعتش نبرة صوته المرعبة زي باقي الناس.
كل اللي شافته…
راجل تعبان ماسك قلبه.
طلعت على طرف السرير.
ومالت راسها.
وقعدت تبصله كويس.
بعدها رفعت كفها الصغير…
وحطته على صدره…
في المكان