قصة حقيقية فى الأردن
سأندم عليه طوال عمري لو لم تتدخل طفلة صغيرة في الوقت المناسب.
صفق الحاضرون طويلًا.
ثم طلب من مريم أن تصعد إلى المنصة.
تقدمت بخجل، فأخرج من جيبه قلمًا كان يستخدمه في إصدار الأحكام منذ أكثر من عشرين عامًا، وقدمه لها.
قال
هذا القلم كتب أحكامًا كثيرة… واليوم أهديه لمن ذكّرتني أن العدالة لا تكتمل إلا بالبحث عن الحقيقة.
امتلأت عينا راشد بالدموع.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب أحد الصحفيين من مريم وسألها
هل كنتِ واثقة أن القاضي سيصدقك؟
ابتسمت وقالت
لا… لكني كنت واثقة أن الحقيقة تستحق المحاولة.
انتشرت قصتها في الصحف ومواقع التواصل، وأصبحت مثالًا على شجاعة الأطفال وأهمية عدم التسرع في إصدار الأحكام.
أما القاضي سالم، فقرر إنشاء صندوق لمساعدة الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف المحامين، حتى يحصل كل متهم على فرصة عادلة للدفاع عن نفسه.
وكان يقول دائمًا
العدالة لا تعني أن نعاقب المذنب فقط… بل أن نتأكد أولًا أننا لم نظلم البريء.
بعد عام كامل، كان الجميع يعتقد أن القضية انتهت إلى الأبد.
لكن في صباح هادئ، وصل إلى مكتب القاضي سالم ملف قديم بلا اسم مرسل.
في داخله كانت هناك صورة باهتة التُقطت يوم الحاډث الذي غيّر حياته قبل عشرين عامًا.
تجمّد مكانه.
لأول مرة رأى الصورة كاملة.
كانت تُظهر رجلًا يقف على الرصيف قبل ثوانٍ من وقوع الحاډث… رجلًا كان يعرفه جيدًا.
همس بصوت مرتجف
مستحيل… أنت؟
أمر بإعادة فتح ملف الحاډث رسميًا.
وبعد أسابيع من التحقيق، عثرت الشرطة على شاهد كان قد غادر البلاد منذ سنوات، وعاد إلى الإمارات بعد تقاعده.
أدلى بشهادته، واعترف أن الحاډث لم يكن قضاءً وقدرًا كما اعتقد الجميع، بل نتيجة إهمال جسيم ومحاولة للتستر على مسؤولية أحد أصحاب النفوذ آنذاك.
ولم يكن القاضي سالم هو الضحېة الوحيدة…
بل كانت هناك أسرة كاملة دفعت الثمن، بينهم جد مريم، الذي ظل يحمل الحقيقة حتى ۏفاته، خوفًا من تهديدات تلقاها إذا كشف ما رآه.
عندما انتهت القضية، وقف القاضي سالم أمام قبر الجد، ووضع باقة من الزهور وقال
تأخرت كثيرًا… لكن الحقيقة وصلت أخيرًا.
كانت مريم تقف بجوار والدها، فسألها راشد
هل تشعرين أن كل شيء انتهى؟
ابتسمت بهدوء وقالت
الحقيقة لا تُغيّر الماضي… لكنها تمنع الظلم من أن يعيش إلى الأبد.
غادر الثلاثة المقپرة، وقد أغلقوا صفحة مؤلمة امتدت سنوات طويلة، لكن أثرها بقي درسًا لكل من عرف قصتهم.