حماتي فصلت التكييف عليا
حماتي سابتلي الأكل بارد، وفصلت التكييف في عز الحر وقالتلي اتعلمي مقامك يا ست هانم ..
البيت ده مبيشيلش ستات كسلانة تقعد تحت التكييف زي الهوانم!
دي كانت أول جملة قالتها لي حماتي، الست تيسير، في الظهرية بتاعة يوم من أيام شهر يونيو الخانقة. كنت لسه يا دوب قاعدة على طرف السرير بقالي 10 دقائق، بلوزتي غرقانة عرق ودماغي هتنفجر من الصداع والحر.
أنا اسمي مريم، عندي 32 سنة، وشغالة مديرة مالية في شركة مقاولات كبيرة في القاهرة. الظهر ده، اضطريت أنزل الشركة في يوم إجازتي عشان كان فيه حالة طوارئ؛ دفعة فلوس مهمة جداً كانت مبعوتة غلط، ولو مكنّاش لحقنا نصلح الغلط ده قبل يوم الإثنين، الشركة كانت ممكن تخسر عقد بملايين. من الساعة 8 الصبح لحد الساعة 2 الظهر مشربتش ولا دوقت في بقي غير فنجان قهوة. بعت رسالة لجوزي، طارق، قولتله فيها اتغدى أنت ومامتك ومتستنونيش، أنا حتأخر شوية، ولما أرجع هلم كل حاجة وأغسل المواعين.
شاف الرسالة.. ومردش.
لما وصلت بيت عيلته في حي الدقي، الحر كان طالع من الأسفلت والرصيف وكأن المدينة كلها عبارة عن صاج بيغلي. فتحت الباب، وشميت ريحة الفراخ المحمرة والرز بالشعرية والملوخية السخنة. كانوا قاعدين على السفرة بيشطبوا أكل؛ حماتي الست تيسير، وجوزي طارق. أما طبقي أنا، فكان محطوط على جنب في آخر السفرة، بارد، وفيه حتة فرخة ناشفة وشوية رز متفرفتين.
الست تيسير رمت المعلقة في الطبق ورزعتها جامد وقالت
شوف الهانم جاية إمتى! في الوقت اللي ست عجوزة زيي واقفة تطبخ في المطبخ، الهانم بتلف في الشوارع، عاملة لي فيها سيدة أعمال ومهمة!
رديت عليها وريقي ناشف من التعب
كان عندي حالة طوارئ وشغل مستعجل في الشركة يا طنط، وأنا بلغت طارق.. أنا بس هدخل أغير هدومي
وأطلع أغسل المواعين فوراً.
بصيت لطارق ومستنية منه كلمة واحدة يدافع بيها عني.. مفيش! طارق كان عمال ينضف مناب الفراخ من العظم وواكل، وكأن صوتي ده مجرد دوشة ملهاش لازمة في الأوضة.
حماتي كملت تريقة وقالت
شغل.. شغل! إيه فاكرة نفسك هتكبري على بيتك؟ الست قيمتها في طريقة معاملتها لجوزها وبيتها، مش بالشهادة ولا المنصب اللي شايلاه في شنطتها!
مردتش عليها. بس سكوت طارق وجعني وكسرني أكتر من كلام أمه بكتير.
دخلت الأوضة، الجو كان يخنق ويسد النفس. التكييف ده أنا اللي كنت شارياه من سنتين من معادي، بعد ما جددنا شقة الدقي دي، عشان طارق كان بيقعد يشتكي إنه مش عارف ينام من الحر. ومش التكييف بس، أنا اللي دافعة تمن البوتاجاز، والسباكة، والنقاشة، والتلاجة، والغسالة، وحتى السفرة اللي حماتي كانت لسه قاعدة بتهيني عليها من شوية!
قلعت الجزمة الكعب، وشغلت التكييف وغمضت عيني للحظة.. كنت بس عاوزة أتنفس.
معداش 10 دقائق، ولقيت التكييف فصل فجأة!
طلعت الصالة أظبطه، لقيت التلفزيون شغال والمروحة في الصالة شغالة، يعني النور مقطعش! الست تيسير كانت واقفة جنب لوحة المفاتيح الكهربائية الكبيرة، ومربعة إيديها بكل برود.
سألتها
هو في إيه يا طنط؟ حضرتكي عملتي إيه؟
ردت عليا
فصلت الهباب ده! جاية متأخرة، لا بتغسلي ولا بتغرفي أكل، وكمان عاوزة تخلصي وتستهلكي الكهربا؟ البيت ده مبيشيلش ستات مأنتخة ومعيوشة!
حسيت بحاجة جوايا اتقطعت واتكسرت تماماً. قولت لها
أنا اللي بادفع فاتورة الكهربا يا ست تيسير!
في اللحظة دي، طارق خرج من الأوضة وهو ماسك تليفونه في إيده وقال
مريم! متعمليش حوارات ومشاكل.. أمي عندها حق، أنتِ لسه واصلة، ساعديها الأول وبعدين ابقي ارتاحي.
بصيت له و عيني في عينه
أنت قريت الرسالة اللي بعتهالك؟
رد ببرود
آه قريتها، بس ده مش معناه إن أمي هي اللي تقعد تخدمك وتستناكي!
ساعتها بس فهمت.. الحكاية مكنتش حكاية تكييف، ولا حكاية طبق أكل بارد. الحكاية إني عايشة على طراطيف صوابعي وبداري في بيت الكل عايش فيه ومتهني بخيري وعلى قفايا، وفي الآخر ماليش أي قيمة عندهم.
دخلت الأوضة بكل هدوء، سحبت شنطة سفر بنّي كبيرة من الدولاب وبدأت ألم فيها هدومي، أوراقي الرسمية، كروتي البنكية، وصورة أبويا الله يرحمه.
طارق لم لمحني، جه وبص من ورا الباب وقال بسخرية
هو أنتِ هتعملي دراما وتقبي النكد عشان خاطر شوية كهربا اتفصلت؟
أمه جت من وراه وقالت
سيبها تمشي! خلينا نشوف هتقعد فين ومنين هيجيلها سقف يشيلها ولا لقمة تأكلها من غير جوزها!
قفلت السوستة بتاعة الشنطة، طلعت تليفوني واتصلت فوراً بالمحامي بتاعي، الأستاذ أيمن رفعت
يا أستاذ أيمن، جهز لي كل الأوراق والعقود.. أنا عاوزة أسترد شقة الدقي فوراً، مش هسمح لطارق وأمه يعيشوا فيها ثانية واحدة على قفايا ويبنوا لحم كتافهم من خيري.
طارق وشه جاب ألوان وفجأة قطعت الخلف وقال بصوت مرعوب
تستردي الشقة؟ شقة إيه اللي بتتكلمي عليها؟!
بصيت لحماتي لأول مرة في حياتي وأنا رافعة راسي ومن غير ما أطاطي
متقلقيش يا ست تيسير، أنا ماشية وخارجة أهو.. بس الأول هرجع لكم الشقة زي ما أنتوا عاوزينها وبتتمنوها من غير تكييف، من غير تلفزيون، من غير ماية.. ومن غير كمان زوجة طيبة ومستسلمة عشان تهينوها!
ومشيت بخطوات ثابتة ووقفت قدام لوحة مفاتيح الكهرباء الرئيسية…
الجزء الثاني كشف المستور لما الجوابات تظهر والكل يعرف مقامه
نزلت السكينة العمومية بتاعة لوحة الكهربا. الشقة كلها غرق الكتمان والسكوت. التلفزيون طفى فجأة، والمروحة بطلت تلف، وموتور الماية اللي في المنور قطع النفس بصوت رزع مكتوم. الحر كبس على الصالة فجأة وكأنه بطانية مبلولة.
الست تيسير صرخت فيا
أنتِ اتجننتي؟! ارفعي السكينة دي حالاُ!
مرديتش عليها. قفلت اللوحة بالمفتاح، وطلعت برة وقفل المحبس العمومي بتاع الماية كمان. لما رجعت، طارق كان بيبص لي وكأني واحدة غريبة أول مرة يشوفها في حياته.
قال بصوت مهزوز وبيمثل القوة
الشقة دي شقتي أنا! بأمارة إيه وبأي حق بتعملي كده؟
بحق اللي دافع فاتورة الكهربا، والماية، وتمن التوضيب والنقاشة، وبحق عقد الملكية الأخضر اللي متشال في الحفظ والصون.
حماتي طلعت ضحكة صفرا ومزيفة وقالت
متألفيش وتعيشي الدور! الشقة دي ابني هو اللي شاريها بفلوسه، وهو اللي قايلي كده بنفسه!
بصيت لطارق وقولتله
قولها أنت.. قولها الشقة دي ملك مين وباسم مين؟
طارق وطى راسه في الأرض وبص في الجزم.. وسكوته ده كان كفاية جداً عشان تفهم. حماتي وشها اتقلب واصفر ودمها هرب
الكلام ده حقيقي يا طارق؟!
هو منطقش. مسكت يد الشنطة بتاعتي وقولت لهم
قدامكم 7 أيام بالتمام والكمال وتخلوا الشقة دي. ومن أول دقيقة في اليوم ده، مش دافعة مليم واحد لا في كهربا ولا ماية ولا أكل ولا ديون ولا نزوات حد!
طارق جه يمسك إيدي ويستعطفني
مريم.. إحنا متجوزين، ومفيش حاجة متتحلش بالكلام، نقعد ونتكلم.
نفضت إيدي من إيده بقرف
كان قدامك 4 سنين كاملين تتكلم فيهم.. بس أنت اخترت تبلع لسانك وتسكت في كل مرة أمك كانت بتهينني فيها وتدوس على كرامتي.
خرجت برة الشقة في عز نار الحر وطلبت تاكسي. والتاكسي بيتحرك، لمحت طارق في المراية واقف عند بواب العمارة.. مجريش ورايا ولا حاول يلحقني. تلاقيه فكر زي كل مرة إني هقعد أعيط ليلتين وتلاتة وأرجع من نفسي.
وصلت لوكاندة صغيرة هادية قريبة من وسط البلد. دخلت أخدت دش دافي، وطلبت شوربة فراخ
لمحة نيوز