حماتي فصلت التكييف عليا
متسمر في مكانه، ووشه متدمر ومملوح. والست تيسير مستخبية وراه وبتحاول تداري وشها من عينين الناس اللي كانت من شوية عمالة تتفرج عليها وتتريق على لقاحتها وفضائحها.
مسكت المايك وقولت
بابا الله يرحمه علمني إن في الشغل والبيزنس ممكن نخسر فلوس، بس عمري ما أخسر شرفي وأمانتي وكرامتي. وعلمني كمان إن البني آدم بيبان حقيقته ومعدنه الأصلي لما يفتكر إن اللي واقف قدامه ضعيف وميملكش سلطة ولا قوة.
مقولتش أساميهم، ومكنش فيه أي داعي أقولها.. الكل كان فاهم.
أعلنت إن العقود اللي تحت التحقيق والسرقة تم إلغائها وتجميدها تماماً، وإن أي مورد أو شركة هيثبت عليها تلاعب مالي هتروح للنيابة والتحقيق فوراً. الشركات المحترمة كلها صقفت بحرارة، وطارق وطى راسه في الأرض وخرج.
لما خلصت ونزلت، لقيت طارق مستنيني في الممر جنب القاعة وقال بصوت مكسور ومبحوح
ليه.. ليه خبيتي عليا أنتِ مين وبنت مين طول السنين دي؟
مخبيتش عليك عشان أخدعك يا طارق.. أنا عملت كده عشان أعرف وبصراحة أنت حبتني أنا لشخصي ولا حبيت اسم عيلتي وفلوسي؟
أنا بجد حبيتك يا مريم!
لأ يا طارق.. أنت حبيت الراحة والفلوس والمنظرة اللي كنت بوفرهالك. حبيت الشقة، والحساب البنكي، وصورتك قدام الناس كزوج ناجح وبمليون راجل.. لكن أنا؟ أنت سبتني آكل أكل بارد، وأعيط لوحدي من القهر، وكنت بستأذن عشان أرتاح 10 دقائق من تعب الشغل!
عينه كانت حمرا ودموعه نازلة
أنا غلطت.. غلطت وأمي هي اللي عبّت دماغي وسوقتني وراها.
أمك كانت بتتكلم وتقول.. بس أنت اللي اخترت تبلع لسانك وتوافقها وتسكت!
في اللحظة دي، ظهرت فريدة الست اللي اشترى لها الخاتم بفلوسي؛ كانت لابسة فستان سواريه وغرقانة في توترها، جت ولزقت في طارق وقالت له بشك وخوف
الكلام ده بجد؟! يعني أنت معندكش شقة؟ ومفيش عقد؟ وشغلك ضاع؟!
طارق مردش عليها وبص في الأرض. فريدة بصت في ساعتها، قفلت بوقها بقرف، ولفت وضهرها ومشيت من غير ما تقوله حتى مع السلامة. مكنتش حاسة بأي غيرة منها.. أنا كنت حاسة بالشفقة والشفقة بس عليه؛ الدنيا والكدب اللي بناه بفلوس وبخير غيره كان بيتهد ويقع فوق دماغه.
بعد أسبوع بالظبط، الست تيسير وطارق وإياد خرجوا من شقة الدقي. مكنش فيه زعيق، ولا خناق، ولا اعتذار حقيقي.. كان فيه بس كراتين ورق، وعفش قديم متبهدل، والجيران واقفين في البلكونات بيتفرجوا ويشمتوا فيهم.
الست تيسير حاولت تقف وتتكلم معايا وأنا واقفة عند الباب
مريم.. أنا والله مكنتش أعرف يا بنتي.. بصيت لها وقولت لها كلمة واحدة
مكنتيش محتاجة تعرفي إن الشقة شقتي وباسمي عشان تعامليني بإنسانية وبأصل وتتقي الله فيا كبني آدمة. سكتت ومنطقتش بكلمة تانية.
بعد كام شهر، طارق مضى على ورقة الطلاق وهو مكسور. خسر وظيفته ومنصبه بعد التحقيقات والفساد اللي ظهر في ورق شركته، وإياد اضطر يواجه الديون والمراهنات بتاعته ودخل السجن ومفيش مليم واحد من فلوسي أنقذه. أما الست تيسير، ف راحت عاشت مع أختها في بيت قديم في أطراف العشوائيات وبطلت تقعد تتباهى ب عيالها الناجحين ولاد الأصول في قعدات العيلة والجيران.
أما أنا.. رجعت شقتي في الدقي في صباح يوم سبت جميل وهادي. فتحت الشبابيك كلها للشمس، غيرت الكوالين والأقفال، دهنت المطبخ كله باللون الأبيض النضيف، ورميت وطلعت برة الشقة السفرة القديمة اللي ياما سابولي عليها طبق أكل بارد ملوش طعم. في أوضتي، حطيت زرع أخضر، وستائر بيضاء خفيفة، وشغلت التكييف يعلي ويوطي براحته ومن غير أي إحساس بالذنب أو الخوف.
أول ليلة ليا في الشقة، غرفت لنفسي طبق شوربة سخنة ومولعة، قعدت لوحدي في هدوء.. وابتسمت.
ناس كتير فاكرة إن أصعب وأشد وجع في الدنيا هو إن الست تلاقى نفسها من غير عيلة أو لوحدها، بس أنا اتعلمت وعرفت إن الأقسى والأصعب بكتير هو إنك تعيشي وسط ناس بتهينك وتقلل منك وتدير بظهرها ليكِ وتدمر سلامك النفسي كل يوم.. وفي الآخر تسمي المكان ده بيت!
بابا الله يرحمه كان عنده حق الطيبة والذوق حاجة جميلة، بس إنك تسيب الناس تدوس عليك وتهين كرامتك دي مش طيبة ولا أدب.. ده هوان وضياع للنفس.
ومن ساعتها، فهمت حاجة وعمري ما هنسى أقولها لأي ست البيوت مبتتحولش ل سكن وأمان لمجرد إن ليها سقف حاميكِ، أو نور شغال، أو حيطان مدهونة وشكلها حلو.. البيوت بتبقى سكن لما ميكونش فيه حد جواها مضطر يطفي نور قلبك ويهد سلامك عشان يحس بالسيطرة والقوة على قفاكِ!