الطبق الفاضي
بيقول إيه؟
ترددت.
ثم قالت
كان بيقول إنه مش عايز الفلوس.
أنا استغربت.
أمال عايز إيه؟
مرات أخوه بصت لحماتي.
كان بيسأل عن ملف واحد ملف باسمك.
جوزي سأل
إيه الملف؟
عماد قال
ملف يثبت مين المالك الحقيقي للعقار والحساب.
جوزي هز رأسه
يعني كل اللي حصل كان عشان الورث.
عماد قال
لا.
سكت لحظة.
الفلوس كانت مجرد جزء من الموضوع.
أنا قربت منه.
أمال إيه الموضوع الحقيقي؟
عماد بص لي مباشرة.
أبوكي كان مخبي دليل على جريمة حصلت قبل وفاته.
قلبي انقبض.
جريمة؟
حماتي شهقت.
عماد ما تقولش.
لكنه كمل
أبوكي اكتشف إن في تزوير واختلاس داخل الشركة. وكان عنده أسماء وأرقام وتحويلات.
جوزي قال
ومين كان متورط؟
عماد سكت.
أنا بدأت أحس إن الإجابة هتكون أسوأ مما أتخيل.
وأخيرًا قال
أبوك كان متأكد إن الشخص اللي بيسرق الشركة قريب منه جدًا.
جوزي سأل
مين؟
عماد بص لحماتي.
ثم قال
أخو جوزك.
سكت الجميع.
مرات أخوه شهقت
جوزي؟!
حماتي صرخت
لا!
لكن عماد أخرج هاتفه.
عندي تسجيل.
شغل التسجيل.
ظهر صوت رجل واضح.
كنت أعرفه.
صوت أخو جوزي.
كان بيقول
أنا هخليها تختفي، وبعدها الورق هيطلع كأنه اتفقد.
جوزي رجع خطوة.
مرات أخوه حطت إيدها على بوقها.
مستحيل
لكن التسجيل استمر.
ثم جاء صوت أخو جوزي مرة أخرى
وأمي هتتكفل بالباقي.
جوزي بص لأمه.
حماتي انهارت.
أنا ما كنتش أعرف إنه هيوصل للدرجة دي.
جوزي قال
إنتِ كنتِ عارفة كل حاجة.
حماتي هزت رأسها.
كنت عارفة إنه عايز الورق بس كنت فاكرة إنه هيستخدمه عشان يسكت أبوكي بس.
أنا سألتها
وأنا؟ ليه خليتيني أختفي؟
سكتت.
ثم قالت
لأن أخو جوزك قال لي إنك لو فضلتِ موجودة، هتوصلي للحقيقة قبله.
جوزي قرب منها.
وأنا؟
حماتي بكت وقالت
قال لي إنه هيخسرك إنت كمان لو ما ساعدتوش.
ساد الصمت.
وفجأة رن موبايل جوزي.
رقم مجهول.
فتح المكالمة.
صوت رجل قال
لو عايز تشوف أخوك قبل ما يختفي تعال للمخزن.
جوزي سأل
إنت مين؟
الصوت رد
الشخص اللي ماسك أخوك دلوقتي.
ثم أضاف
ومتجيبش الشرطة.
وقبل ما يقفل، قال جملة واحدة
وخد مراتك معاك لأنها الوحيدة اللي الخزنة هتفتح لها.
المكالمة انتهت.
جوزي بص لي.
أنا كنت عارفة إننا دخلنا في أخطر مرحلة.
لكن قبل ما نتحرك، عماد مسك إيدي وقال
استني.
طلع من جيبه مفتاح تاني.
حطه في إيدي.
وقال
لو حصل أي حاجة افتحي الخزنة بنفسك.
بصيت له.
إنت معاك مفتاح؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم قال بصوت منخفض
لأن أبوكي اداهولي قبل موته وقال لي ما أسلمهوش لأي حد.
وسكت لحظة.
إلا لكِ.
وفي اللحظة دي
وصلت رسالة جديدة على موبايل جوزي.
صورة.
لكن المرة دي
كانت صورتي أنا.
وأنا واقفة قدام الخزنة.
والصورة كانت متصورة منذ عشر دقائق فقط فضلت باصة للصورة، ومش قادرة أتكلم.
جوزي نفسه كان واقف قدام الخزنة.
ابني قال
بابا إنت كنت هناك؟
جوزي بص للصورة، ثم بص لي.
أنا أول مرة أشوف الصورة دي.
عماد قرب منه وقال
وده بالضبط اللي كنت خايف منه.
جوزي رفع عينه
قصدك إيه؟
عماد أشار للصورة.
الصورة متعدلة. حد حط وشك على جسم شخص تاني.
فتح اللابتوب، وبعد دقائق قدر يثبت إن الصورة متلاعب بيها.
جوزي تنفس براحة، لكن عماد قال
بس ده معناه إن الشخص اللي ورا كل ده عنده صور حقيقية ليك وبيعرف تفاصيل حياتكم.
فجأة فهمنا.
الشخص اللي كان بيدير كل حاجة كان قريب من العيلة لدرجة إنه يعرف كل تحركاتنا.
ذهبنا للمخزن القديم ومعنا عماد، وبعد ما فتحنا الباب، وجدنا الخزنة الثانية.
المفتاح الذي تركه أبي فتحها.
في الداخل كان هناك ملف كبير، وفلاش ميموري، ورسالة بخط أبي.
فتحت الرسالة.
كان مكتوبًا
يا بنتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى كل اللي خفت منه حصل. الشخص اللي خانني مش أخوكي وحده، ولا حماتك وحدها. الشخص الحقيقي كان أخطر لأنه كان أقرب للكل.
توقفت.
جوزي كمل القراءة.
وفي آخر الصفحة كان اسم واحد.
أخو جوزي.
اتضح أنه كان هو العقل المدبر، واستغل خوف حماتي على ابنها، وهدد مرات أخوه، واستخدم أخويا للحصول على أوراق أبي.
أما حماتي، فكانت متورطة في إخفائي وإبعادي، لكنها لم تكن تعرف كل الخطة.
أما عماد، فكان قد احتفظ بالأدلة طوال السنوات الماضية خوفًا من أن يتم التخلص منها.
الفلاش ميموري احتوت على تحويلات وتسجيلات تثبت كل شيء.
وبعد ساعات، تم تسليم الأدلة للشرطة، وانتهى كل شيء.
أخو جوزي اعترف عندما واجهوه بالتسجيلات.
وأخويا، بعدما عرف أن كل الأسرار انكشفت، اعترف هو الآخر بأنه أجبرني على الاختفاء وقتها بعد تهديده لي.
أما حماتي
فجلست أمامي تبكي.
قالت
سامحيني.
بصيت لها طويلًا.
أنا مش هقدر أنسى اللي عملتيه بس مش هخلي اللي حصل يحولني لشخص قاسي.
ثم نظرت للطبق الذي كانت تضعه أمامي كل مرة.
وضعت أمامها طبقًا كاملًا من الطعام وقلت
أهو طبق مش فاضي.
بكت.
ومن يومها، ما رجعتش علاقتي بحماتي زي الأول.
لكن لأول مرة، جوزي فهم إن سكوتُه زمان كان جزءًا من المشكلة.
وفي البيت، كان ابني أكتر شخص غيّر كل شيء.
لأنه بكلمة بريئة على سفرة
كشف سرًا خبّته عيلتان سنين طويلة.
وبعد فترة، سألت ابني
فاكر أول مرة قلت فيها لتيتا إني ما أكلتش؟
ضحك وقال
أيوه.
وعرفت منين إن لازم تقول؟
قال ببساطة
عشان كنتِ بتقولي إنك مش جعانة، بس عينيكي كانت بتقول إنك جعانة.
حضنته.
وفهمت وقتها إن أحيانًا الحقيقة لا تحتاج شخصًا ذكيًا ليكشفها
تحتاج فقط طفلًا لا يعرف كيف يجامل الكبار.
ومن يومها، كلما جلست على سفرة، كان أول شيء أفعله أن أضع طبقي بنفسي.
مش عشان الأكل.
عشان عمري ما أسمح لحد تاني
يحسسني إن وجودي على السفرة أقل قيمة من أي شخص تاني أكيد، دي نهاية بديلة أقوى ومقفولة
بعد ما ظهرت التسجيلات والأوراق، انكشف كل شيء.
أخو جوزي كان هو العقل المدبر، وأخويا ساعده تحت ضغط وتهديد، وحماتي كانت عارفة جزءًا كبيرًا من الخطة، وكانت بتحاول تبعدني عن جوزي عشان ما أوصلش للحقيقة.
أما عماد، فكان محتفظًا بالأدلة طول السنين لأنه كان وعد أبويا إنه يحميها لحد ما توصل لي.
لكن أكتر حاجة وجعتني ما كانتش الفلوس.
كانت الحقيقة اللي اكتشفتها عن نفسي.
أنا قضيت سنين أفتكر إن سكوتي ضعف
وإن قبولي بالطبق الفاضي كان حفاظًا على بيتي.
لكن الحقيقة إني كنت بسمح للناس يقللوا مني كل مرة وأنا ساكتة.
بعد انتهاء كل شيء، جوزي وقف قدامي وقال
أنا آسف.
بصيت له.
على إيه؟
قال
على كل مرة شفتي فيها الإهانة وسكت وأنا سكت معاكي.
دموعي نزلت، لكني قلت
أنا مش محتاجة اعتذار بس. محتاجة أعرف إن ده عمره ما هيتكرر.
مسك إيدي وقال
مش هيتكرر.
أما حماتي، فطلبت مني أقابلها لوحدنا.
دخلت عليها.
كانت قاعدة قدام سفرة صغيرة، وفوقها طبق مليان أكل.
بصت للطبق وقالت
أنا حطيته ليكي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
شكرًا.
قالت وهي بتبكي
عارفة إيه أكتر حاجة بتوجعني؟
إيه؟
إنك كنتِ بتجوعي قدامي وأنا كنت فاكرة إني بكده بحمي ابني.
سكتُّ.
ثم قلت
كنتِ بتخسري ابنك وإنتِ فاكرة إنك بتحميه.
بكت أكتر.
سامحتها مع الوقت، لكني ما رجعتش أتعامل معاها زي زمان.
أما أخويا، فكان اعتذاره أصعب.
لما قابلته، سألته
إنت كنت هتخليني أختفي لحد إمتى؟
ما قدرش يرفع عينه في عيني.
قال
لحد ما الموضوع يخلص.
ضحكت بمرارة.
الموضوع كان حياتي يا أخويا.
ما ردش.
ومن يومها، بدأت حياتي تتغير.
بطلت أستنى حد يدعوني للسفرة.
بطلت أقبل إهانة في شكل هزار.
وبطلت أقول مش مشكلة على حاجة كانت بتوجعني.
وفي أول جمعة بعدها، جمعت أولادي وجوزي على سفرتنا.
حطيت الأكل.
وحطيت لكل واحد طبقه.
ثم وقفت لحظة قدام طبق فارغ.
مسكته، وبصيت له.
وتذكرت كل مرة كنت أقعد فيها قدام طبق زي ده وأنا بجوع وأسكت.
ثم حطيته في المطبخ.
وقلت
الطبق الفاضي مكانه هنا مش على سفرتنا.
ابني ضحك.
وجوزي ابتسم.
وأنا لأول مرة من سنين
حسيت إني فعلًا رجعت لنفسي.
لأن أكبر انتصار ما كانش إن حماتي اعتذرت.
ولا إن الحقيقة ظهرت.
ولا إن الناس اللي ظلموني اتكشفوا.
أكبر انتصار كان إني فهمت أخيرًا إن كرامتي مش حاجة حد يديهالي ولا حاجة أطلبها من حد.
كرامتي كانت موجودة من البداية، وأنا بس اتعلمت ما أسمحش لحد يحط قدامي طبق فاضي تاني.