في جنازة ابي

في جنازة أبي، وفجأة، لقيت الراجل اللي بيكرَف الترب مسك إيدي بجمود وهسف في ودني بكلام شقلب حياتي كلها في ثانية: “أبوك دفعلي عشان أدفن صندوق فاضي.”

قبل ما أستوعب أو أسأله يقصد إيه، حط في إيدي مفتاح نحاس سقعان، وحذرني تحذير يرعب: إياك ترجع البيتك.

الجو التلج في مدافن نيو جيرسي وقف في زوري، ورشقت فيه بذهول: “مستحيل.. أنا شفت جثته بنفسي وعرفت عليها!”

الراجل العجوز هز رأسه بالراؤوف وقال: “أنت شفت اللي هو كان عايزك تشوفه بس.”

بعد عشرين سنة خدمة كرائد في الجيش الأمريكي، كل غريزة بقاء جوايا صرخت. الراجل طبق إيدي على المفتاح النحاس، وكان محفور عليه رقم واحد: 17.

“إياك ترجع البيت،” قالها وعينيه بتلف حوليه برعب، “مهما مين كلمك، أو قالك إيه. اطلع فوراً على مخازن طريق 9.. وحدة رقم 17.”

في نفس اللحظة، الموبايل في جيبي اتهز. رسالة من أمي: تعال البيت لوحدك.

بصيت للشاشة ودمي اتجمد. أمي عمرها ما تبعت رسائل جافة كده، دي دايماً بتقولي “يا حبيبي”. والأغرب إنها كانت واقفة على بعد أمتار من العربية اللي شايلا التابوت.. ليه تبعت رسالة وماتجيش تتكلم معايا بنفسها؟

التربي لما شاف تفاصيل وشي، وشه اتخطف أكتر، وراح زاقق في إيدي ظرف قديم ومتهالك.

“ماتردش،” قالها بنَفَس مقطوع، “أبوك إداني الظرف ده من عشرين سنة.. وقال لي بالظبط أمتى أسلّمهولك.”

عشرين سنة؟! من قبل ما ألبس ميري اصلاً؟! أبوك كان مرتب لموته المزيف ده من عقود؟!

قعدت في عربيتي وفتحت الظرف بسرعة. ماكنش فيه سلامات ولا مشاعر ولا أي تفسير.. مجرد أمر واحد يرعب: اطلع على وحدة 17. ثق في الست اللي هتلاقيها مستنياك هناك. وما ترجعش البيت أبداً غير لما تفهم السبب.

وصلت مخازن طريق 9 وكانت الغيوم السودة بلعت السماء. تحت مظلة المكتب كانت واقفة ست بلابَط أسود.. ومن غير تردد طلعت كارنيه الـ FBI: “عقيد سنكلير.. أبوك كان عارف إنك هتجيب لوحدك.”

بصيت للمفتاح النحاس اللي في إيدي وللباب الصديق بتاع المخزن، وسألتها: “إيه اللي جوه؟”

وشها بقى جاد جداً وقالت: “أدلة كفاية تخليك تفهم بالظبط ليه أبوك كان محتاج يندفن في صندوق فاضي.”

قبل ما ألحق أسألها تاني، الموبايل بدأ يرن.. أمي.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *