امل حصري لصفحه روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
“إيه اللي جابك يا أمل؟ هو المليونير اللي سبتيني عشانه رماكي في الشارع ومبقاش حيلتك حاجة؟”
شريف كان واقف وبابتسامة شمتانة وهو ماسك المغرفة وبيعبي أكل في المطبخ الخيري قدام محطة مصر في رمسيس.
أمل ما نطقتش بحرف.
الجاكيت اللي كانت لابسة كان خفيف أوي على برودة الصبح في نوفمبر. نقط المطر النازلة كانت ملزقة شعرها على وشها، وشفايفها باهتة ومزرقة من البرد. أخدت الطبق الفوم بإيديها الاثنين، وقالت بصوت واطي ومكسور: “شكراً،” ومشيت من غير ما تبص في عينيه.
شريف اتسمر في مكانه.
بقالوا أربع سنين بيحلم باللحظة دي.
كان متخيل إنها لما تشوفه هتتخانق معاه، أو تتباهى بالعيشة المرتاحة اللي اختارتها، أو حتى تعاتبه على الطريقة اللي انتهى بيها جوازهم.
بس الست التعبانة، الضعيفة، والساكتة اللي واقفة قدامه دي، مكنش فيها أي حاجة من مراته الواثقة في نفسها اللي طردها بايده من بيته زمان.
من أربع سنين، شريف وأمل كانوا عايشين في شقة أوضتين وصالة في حدائق القبة، الشقة كانت ملك أمه “الحاجة فاطمة”. كانوا متجوزين بقالهم خمس سنين وبيحوشوا قرشين عشان يدفعوا مقدم شقة ملكهم.
وفي الحقيقة، أمل هي اللي كانت بتحوش معظم الفلوس دي من شغلها.
كانت شغال في شركة شحن وتفريغ، وكتير كانت بترجع البيت متأخر بسبب المكالمات مع السواقين والموردين والمخازن. شريف، اللي كان شغال في قسم المشتروات في شركة توزيع، كان دايماً يتذمر من ساعات شغلها الطويلة، بس ورا الضيق ده كان فيه عدم ثقة بالنفس. زمايلها في الشغل كانوا بيلجأوا لها في أي قرار مهم، بينما محدش كان بياخد باله منه هو أصلاً.
أمه فاطمة كانت عارفة بالظبط إزاي تستغل نقطة ضعفه دي.
بعد ما اشتغلت ثلاثين سنة ناظرة حضانة، بقى عندها طبع إنها تعامل كل اللي حواليها كأنهم عيال صغيرة مش فاهمة حاجة.
“الست الأصيلة هي اللي بتبقى مجهزة الغدا لراجلها أول ما يرجع من شغله.”
“أنا بشتغل زيي زيه يا طنط.”
“الست اللي بتفهم بتهتم ببيتها وبجوزها من غير ما تقعد تطلع حجج وفارغة.”
وكل ما أمل كانت تبص لشريف عشان ينصفها أو يقف جنبها، كان وبمنتهى البساطة يعلي صوت التلفزيون.
“دي أمي! عايزاني أعمل لها إيه يعني؟ أطردها من شقتها؟”
فاطمة كمان كانت ماسكة فيزا البنك بتاعة ابنها “عشان تساعده يدير المصاريف”. وشريف كان سايبها تراجع كشوف الحساب، تدفع الفواتير، ومستلمة تحويشة الشقة اللي حوشوها لسنين.
في نوفمبر ده، أمل اكتشفت إنها حامل. التعب والتفريغ بتوع أول الحمل كانوا شداد عليها جداً، لدرجة إنها كذا مرة كانت بتقعد على الرصيف وهي رايحة شغلها من كتر الدوخة. وفي مرة وهي في المستشفى العام، الدكتورة إدتها رقم جمعية خيرية بتساعد الستات اللي بيتعرضوا لضغط مالي وأسري.
وهناك اتعرفت على “الأستاذ فاروق”، محامي متقاعد كان بيتطوع يقدم استشارات قانونية بلاش للستات دول.
في يوم، وبعد ما شاف و وشها أصفر وهتقع من طولها، الأستاذ فاروق عرض يوصلها للبيت بعربيته.
الحاجة فاطمة كانت ماشية وراهم، صورتهم بالموبايل، وأخدت الصورة لمحل تصوير جنبهم. طلبت منهم يشيلوا يافطة المستشفى، والكرسي المتحرك، ويافطة رعاية الحوامل من الخلفية. واللي فضل في الصورة هو أمل واقفة جنب راجل كبير، شكله مقتدر ولابس شيك، وهو بيفتح لها باب العربية.
بالليل، فاطمة حطت الصورة قدام شريف مباشرة.
“مرتك ماشية على حل شعرها ومع واحد تاني.”
أمل حطت إيديها الاثنين على بطنها تحميها:
“أنا حامل! والراجل ده المحامي بتاعي، أرجوك اسمعني والأول افهم.”
شريف رفض يسمع أي كلمة.
“المي هدومك واطلعي بره.”
فاطمة فتحت باب الشقة:
“وسبي المفاتيح والفيزا هنا، مش بتاخدي حاجة مش حقك.”
على وش الفجر يوم 10 فبراير، أمل مشيت وهي شايلة شنطة قديمة، وحطت ظرف مقفول تحت ميدالية المفاتيح.
“أرجوك اقراه يا شريف.”
فاطمة خطفت الظرف بسرعة وخبيته جوة درج التسريحة.