ثمن الغربة لمحمد نور
في النهاية، أرسلت رسالة نصية قصيرة إلى مريم: «أنا آسفة جداً لأنني أطلقتُ عليكِ وصف العبء، بينما كنتُ أنا من يعيش بأنانية على عرق جاسم وجهده».
اختارت مريم عدم الرد على الرسالة، مدركةً أن المغفرة لا تتطلب فتح الأبواب مجدداً للأشخاص الذين دمروا شعورك بالأمان؛ فالشفاء الحقيقي يبدأ بوضع حدود آمنة لا تُخترق أبداً.
بعد عام كامل من عودتي، أكملت مريم جولتها الأخيرة من علاج السرطان، وأكد طبيب الأورام رسمياً خلو جسدها تماماً من أي أثر للمرض.
في صباح مشرق، وأمام مرآة غرفة النوم، نزعت غطاء رأسها برفق. كانت طبقة ناعمة من الشعر الداكن الصحي تنمو مجدداً على فروة رأسها.
مررت أصابعها بين شعرها وابتسمت بإشراق أظهر غمازتيها الجميلتين، وقالت ببهجة خافتة: «انظر يا جاسم… إنه ينمو أخيراً».
احتضنتُها من الخلف وشُددتُ عليها بقدسية وحب، وهمستُ لها: «دعِيه ينمو كما يشاء… لن يجعلكِ أحد تشعرين بالخزي أو الاختباء بعد اليوم أبداً».
احتفظنا بإيصال البيع الأصلي لمبلغ المئة والخمسين دولارات داخل صندوق ذكريات خشبية إلى جانب ملفاتها الطبية الأولى. إنه لا يعبر عن رمز للألم الماضي، بل يظل تذكيراً لا يُنكر بأن العائلة تُبنى على الأفعال الصادقة وليس على الادعاءات الفارغة.
كما تعلمتُ درساً حاسماً عن نفسي؛ إذ أدركتُ أن إرسال الأموال من بعيد لم يكن يوماً بديلاً عن التواجد الفعلي. كنتُ أظن أن أداء واجبي يعني أن أكسر ظهري في العمل وأثق بعمياء، لكن الحب الحقيقي يتطلب طرح الأسئلة الصعبة والاهتمام بالحقيقة.
لقد أنجبتني أمي، لكن زوجتي كادت تفقد حياتها بسبب ثقتي الأعمى وجشع من كنتُ أحميهم. لم يكن عليّ الاختيار بين أم وزوجة، بل بين حماية ضحية بريئة أو تمكين معتدين قساة.
صلة الدم تخلق رابطاً بيولوجياً، لكن الاحترام المتبادل، والمسؤولية، والرعاية الصادقة هي فقط ما يبني عائلة حقيقية.
وعندما يسألني أحدهم عما إذا كان يجب مسامحة أفراد العائلة مهما فعلوا، أطرح عليه سؤالاً أخيراً واحداً:
**«هل يجب مسامحتهم حتى لو كانوا مستعدين لترك شخص بريء يموت لمجرد الحفاظ على رفاهيتهم الخاصة؟»**
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد