ثمن الغربة لمحمد نور
قدمتُ استقالتي رسمياً من عملي في الشمال، واستخدمتُ مدخراتي المتبقية لتأسيس ورشة ورسالة لتشكيل المعادن بالشراكة مع زميلي القديم في المدرسة «فهد». ورغم أننا كنا نكسب دخلاً أقل مما كنت أتقاضاه في الشمال القارس، إلا أنني أصبحتُ أعود إلى بيتي كل مساء، وأتشارك العشاء مع مريم، وأحتمي بوجودها.
لم تؤدِّ الشكوى القانونية ضد أمي وشهد إلى عقوبة السجن، إذ لم تكن مريم تبحث عن الانتقام، بل عن الحماية القانونية، والاعتراف بالأذى، والضمان المطلق للأمان. وفرضت التسوية القضائية الرسمية أوامر حماية دائمة، واستشارات نفسية إجبارية للمعتديتين، وتثبيت التعويضات المالية للمصاريف الطبية.
بعد ستة أشهر، جاءت أمي لزيارتي في الورشة.
وصلت وهي ترتدي ملابس بسيطة دون أي مجوهرات ذهبية، وشعرها معقود بهدوء، ويدها يظهر عليهما الإرهاق جراء العمل لساعات طويلة في المطابخ. ولأول مرة في حياتي، بدت ضعيفة ومكسورة بدلاً من كونها متسلطة.
قالت بصوت خفيض: « لستُ هنا لأطلب استعادة البيت أو المال… جئتُ فقط لأسأل عما إذا كانت مريم بخير».
أجبتها بجمود: «إنها تتعافى بشكل ممتاز».
بدأت أمي تبكي بدموع الندم الشديد وقالت: «أقنعتُ نفسي بأن أموالك التي كسبتها بعرق جبينك هي حق لي لمجرد أنني ربيتك… ثم اعتقدتُ أن شهد تستحق دعماً إضافياً لأنها الأصغر، وعندما مرضت مريم، كنتُ مرعوبة من إنفاق المال وخسارة ما اعتبرته ملكي، مما جعل كل قرار سيئ أسهل من الذي قبله».
لم أمنحها عناقاً، ولم أصرخ في وجهها.
قلتُ لها بهدوء: «اعترافكِ بجشعكِ لا يمحو الضرر الجسيم الذي تسببتِ به».
همست بألم: «أعلم… هل تعتقد أنها ستجد في قلبها يوماً ما القدرة على مسامحتي؟»
أجبتها: «هذا خيارها هي بالكامل، وليس خياري».
وافقت مريم على قراءة رسالة رسمية كتبتها أمي، لكنها رفضت لقاءها شخصياً. في تلك الرسالة، لم تطلب أمي أي أموال أو عقارات، واعترفت بالكامل بحملة الترهيب والعزل والإساءة التي مارستها، وكانت تلك المرة الأولى التي تعترف فيها بمرض مريم دون أن تصفه بالكذب.
أما شهد فقد استغرقت وقتاً أطول بكثير لمراجعة أفعالها، وظلت لشهور تدّعي أنها ضحية خيانة عائلية. ولم تدرك قسوة السخرية من امرأة تحتضر إلا بعد أن عملت لنوبات طويلة إلى جانب زميلة لها باعت هاتفها الشخصي لتوفير علاج طفلها.