ثمن الغربة لمحمد نور
في هذه الأثناء، كانت مريم تخوض معركتها الخاصة والحرجة من أجل البقاء.
على مدار عشرة أيام متواصلة في المستشفى، تلقت المحاليل الوريدية المستمرة، والمكملات الغذائية، والرعاية المتخصصة. كنتُ أجلس بجانب سريرها كل يوم، رغم أنها كانت تستجيب بذعر ونشيج كلما لمست الممرضة ذراعها برفق.
كانت الصدمة العاطفية عميقة جداً؛ فقد أُجبرت على طلب الإذن لمجرد تناول الطعام، أو النوم، أو استخدام الهاتف.
في إحدى الليالي الهادئة، نظرت إليّ بعينين دامعتين وسألتني بصوت خفيض: «هل أنت حقاً لست غاضباً مني لأنني أخفيتُ مرضي عنك كل هذه المدة؟»
غمرني شعور جارف بالخزي، وأجبتها وأنا أُمسك بيديها: «أنا من يجب أن يطلب منكِ المغفرة والسماح… لقد تركتكِ وحدكِ لسنوات، واقتنعتُ ببلاهة بالكذبات المريحة لأنه كان من الأسهل عليّ تصديق أن كل شيء بخير في الوطن».
اعترفت مريم بصوت متقطع: «قالت لي أمك إنني إذا اتصلتُ بك ستترك عملك وتعود، وسيكون الخراب وضياع البيت خطئي بالكامل».
طمأنتها برفق: «لا يوجد بيت على وجه الأرض يساوي قطرة واحدة من حياتكِ».
بمجرد استقرار جسدها بدرجة كافية، أجرى الفريق الطبي عملية جراحية لاستئصال الورم وفحص الغدد الليمفاوية. كانت الأيام العصيبة التي قضيتها في أروقة المستشفى مرعبة، لكنني لم أعد عاجزاً أو بعيداً؛ كنتُ هناك لدعمها، وسداد كل الفواتير الطبية، واستشارة كبار المتخصصين.
جاءت نتائج الفحوصات النسيجية بأخبار سارة للغاية، حيث كشفت أن السرطان لم ينتشر إلى الأنسجة المحيطة كما كان يُخشى في البداية. كانت ما تزال بحاجة إلى جلسات علاج كيماوي ومتابعة دورية، لكن فرص شفاؤها الكامل كانت عالية جداً.
بكت مريم بدموع الفرح والارتياح عندما نقل إليها طبيب الأورام الأخبار السارة.
كانت الأشهر التالية شاقة بلا شك، مليئة بنوبات الغثيان الشديد، والإرهاق الإجهادي، والأرق، والصباحات الصعبة التي كانت تشعر فيها بعدم الأمان لدرجة تمنعها من النظر في المرآة. تعلمتُ كيف أطهو الحساء المغذي، وأدير مواعيد الأدوية المعقدة، وأقدم لها الدفء والراحة عندما تعجز الكلمات.
بعتُ سيارة الدفع الرباعي الفاخرة التي اشترتها شهد بأموالي، واستخدمتُ كل قرش لتغطية علاج مريم المستمر ولشراء منزل دافئ في المدينة المجاورة، بعيداً عن الذكريات المؤلمة.