رجعت من شغلي

​”مين اللي بلغ النجدة؟” سأل الضابط بصوت جهوري.

طارق رفع إيده وهو بينهج: “أنا يا فندم! أنا طارق محمود، صاحب البلاغ. أختي مريم محبوسة جوه البدروم ده من امبارح، هي مريضة حساسية صدر وبتموت، وفيه صوت حد تاني جوه بيئن!”

​الضابط بص للباب الحديد، وبعدين بص لزياد اللي كان بيترعش، وللأم اللي قاعدة على السلم بتعيط وتقول: “ابني اتجنن يا بيه، بيفضحنا وبيتبلى علينا!”

الضابط قرب من الباب، حط ودنه، وسمع الصوت الضعيف المكتوم. فوراً شاور لاثنين من أمناء الشرطة: “اكسروا القفل ده فوراً!”

​زياد صرخ وحاول يتدخل: “يا باشا ده بدروم خاص فيه بضاعة…”

أمين شرطة مسكه وكتفه في ثانية، والضابط بصله بحزم: “كلمة كمان وهلبسك كلبش في إيدك إنت وأمك لحد ما نشوف إيه اللي جوه.”

​ضربتين تلاتة بالعتلة الحديد، والقفل التقيل اتكسر ووقع على الأرض بصوت رن في العمارة كلها. السلسلة اتسحبت، والباب الحديد اتفتح بصرير مزعج.

​أول ما الباب اتفتح، ريحة كتمة وتراب وعفونة ضربت في وشهم، ومعاها ريحة صدأ… ريحة دم. الضابط نور الكشاف بتاع الموبايل، وطارق زقه ودخل يجري زي المجنون وهو بيصرخ: “مريم! مريم!”

​المنظر جوه كان يوقف القلب.

في زاوية ضلمة ومتربة، كانت مريم مرمية على الأرض، وشها شاحب زي الموتى، شفايفها زرقا، وبتاخد نفسها بصعوبة بالغة كأنها بتطلع في الروح. هدومها كانت متقطعة وعليها آثار تراب وسحل، وفي كدمة كبيرة زرقا على جبهتها.

طارق نزل على ركبتيه، شالها بين إيديه وهو بيبكي بانهيار: “مريم! حبيبتي ردي عليا! يا باشا أختي بتموت! حد يجيب البخاخة من فوق بسرعة!”

​لكن الصدمة الحقيقية مكنتش مريم بس.

في الزاوية التانية من البدروم، كان فيه راجل عجوز… راجل المنطقة كلها تعرفه وتحترمه. “الحاج رضوان”، الجواهرجي القديم وجارهم في العمارة اللي في الوش. الحاج رضوان كان مربوط في كرسي خشب قديم، بقه متكمم بشريط لاصق، ووشه مليان كدمات ودم نازل من راسه، وكان بيئن بصوت مقطوع من التعب والعطش.

​الضابط أول ما شافه، صرخ في القوة: “اطلبوا الإسعاف فوراً! حالتين حرجة! وكلبشوا الولد والست اللي بره دول، محدش يتحرك من مكانه!”

​الدنيا اتقلبت. الإسعاف وصلت بسرعة، المسعفين دخلوا بالنقالات، حطوا لمريم ماسك الأكسجين فوراً لأنها كانت دخلت في غيبوبة نقص أكسجين، وفكوا الحاج رضوان اللي كان شبه فاقد الوعي وبيشاور بإيده على صندوق خشب في ركن البدروم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *