رجعت من شغلي
طارق واقف قدام الباب الحديد، قلبه بيدق بسرعة كأن طبلة بتضرب جوه صدره. الصوت اللي طالع من جوه البدروم مكانش مجرد أنين، ده كان صوت روح بتطلع، صوت حد بيصارع عشان يسحب نفس واحد. عينه نزلت على الأرض، لقى نقط الدم المتجلطة واصلة لحد عقب الباب، وشبشب مريم المقطوع مرمي كأنه بيصرخ ويستنجد بيه.
أمه، الحاجة سيدة، كانت واقفة على السلم وراها، بتفرك إيديها في بعضها ووشها جايب ألوان، ملامحها اللي كانت دايماً قوية ومسيطرة بدأت تنهار، وقالت بصوت بيترعش بس بتحاول تخليه حازم:
“يا طارق يا بني، اقفل التليفون ده! إنت بتعمل إيه؟ هتفضحنا في المنطقة؟ قسماً بالله لو ما طلعت وسكتّ لأكون غضبانة عليك ليوم الدين! البت دي هربت وجابت لنا العار، والباب ده وراه أمانات ناس، إنت عايز تحبسنا؟”
زياد قرب من طارق، عروق رقبته كانت نافرة وعينه فيها نظرة غدر، مسك دراع طارق بقوة وقال من بين أسنانه:
“بقولك إيه يا طارق، دور الأخ الكبير الشهم ده تعمله في المصنع بتاعك، مش هنا! اقفل السكة أحسن لك، أنا مش هسمحلك تخرب بيتنا وتضيعنا عشان بت متسواش!”
طارق نفض إيد زياد بكل عزم، لدرجة إن زياد رجع لورا خطوتين، وبصله بنظرة احتقار ووجع في نفس الوقت:
“بيت إيه اللي أخربه؟ البيت اللي يتستر على دم وعار ومصايب يبقى خربان من زمان! أختك جوه بتموت يا معدوم الضمير، وأمي اللي المفروض تبقى أحن واحدة علينا، واقفة تحميك إنت ومصايبك على حساب لحمها ودمها!”
في اللحظة دي، سمعوا صوت سارينة البوكس بتقرب من الشارع. الصوت كان عالي وبيقطع سكون المنطقة. الجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك ويطلعوا على السلالم. أم طارق أول ما سمعت الصوت، ركبها سابت ووقعت على بسطة السلم وهي بتلطم على وشها بصمت، وزياد وشه جاب ألوان الطيف وبدأ يبص حواليه كأنه فار بيدور على جحر يستخبى فيه.
حاول زياد يلف ويهرب من باب العمارة الخلفي، بس طارق كان أسرع منه، مسكه من ياقة قميصه ورزعه في الحيطة بقوة صرخ منها زياد:
“ورحمة أبويا ما أنت متحرك من هنا يا زياد! لو مريم فيها خدش واحد، أنا اللي هقتلك بإيدي قبل الحكومة ما تاخدك!”
دقايق والباب الرئيسي للعمارة اتفتح بقوة، ودخل ضابط مباحث شاب ملامحه جادة وحازمة، ووراه قوة من أمناء الشرطة. الجيران كانوا متجمعين بره ومحدش فاهم حاجة.