الجزء الثاني مرت الأيام، والأسابيع، وبعدها الشهور. وفي الوقت اللي كانت فيه سمر بتبعد أكتر وأكتر عن بنتها، كنت أنا بحاول أخلي نور تحس إن حياتها لسه قدامها، وإن الكرسي اللي بتستخدمه مش هو اللي يحدد قيمتها ولا مستقبلها. لكن الحقيقة إن الموضوع مكنش سهل. جلسات العلاج كانت مرهقة. وفي أوقات كتير كانت نور ترجع البيت منهكة، وتدخل أوضتها من غير ما تتكلم. كنت أفتح الباب بهدوء وأسألها: —عايزة تتعشي؟ ترد: —مش عايزة. —طب أعملك شاي؟ —لأ. —طب أحكيلك موقف يضحك؟ وأحيانًا كانت تبتسم غصب عنها. ومرة قالتلي: —إنتِ بتفضلي تزعجيني لحد ما أضحك، صح؟ ضحكت وقلت: —أهو أحسن ما تفضلي زعلانة. بمرور الوقت، بدأت نور تستعيد جزءًا من حياتها. رجعت تذاكر. وبدأت تستخدم الكمبيوتر. واتعلمت حاجات كتير تخليها أكثر استقلالًا. لكن كان فيه سؤال واحد عمره ما اختفى من دماغها: ليه ماما مش عايزاني؟ كنت كل مرة أحاول أهرب من الإجابة. أقول: —ماما بتحبك، بس هي محتاجة وقت. لكن مع مرور السنين، بقيت حتى أنا مش مصدقة الجملة دي. سمر كانت بتتصل في البداية مرة كل أسبوع. بعدها مرة كل شهر. وبعدين بقت المكالمات في المناسبات بس. عيد ميلاد. عيد. أو لما تحتاج ورقة تخص نور. أما الزيارات، فبقت نادرة جدًا. وفي يوم، نور كانت عندها 15 سنة، سألتني: —خالتي منى… هو أنا عملت حاجة غلط؟ وقتها حسيت إن السؤال أكبر من سنها. قعدت جنبها وقلت: —لأ. —طب ليه ماما مش بتيجي؟ سكت. —هي بتكسف مني؟ —لأ. —بتخاف من الكرسي؟ السؤال ده وجعني. قلت: —المشكلة مش في الكرسي يا نور. بصتلي وقالت: —أمال في إيه؟ ومقدرتش أجاوب. — بعدها بسنة، حصلت مشكلة أكبر. كنت في الشغل، واتصل بيا حسام. قال: —منى… محتاجة تيجي البيت. صوته كان غريب. رجعت بسرعة. لقيت نور قاعدة في الصالة، وقدامها ظرف أبيض. سألت: —إيه ده؟ قالت: —ماما بعتته. فتحت الظرف. كان فيه أوراق تخص علاج نور وبعض المستندات القديمة. لكن وسط الأوراق، لقيت ورقة مكتوبة بخط سمر. كانت بتقول إنها «موافقة» على استمرار إقامة نور عندي، وإنها غير قادرة حاليًا على توفير الرعاية المناسبة لها. قريت الورقة مرتين. وبصيت لحسام. قال: —إنتِ فاهمة هي بتعمل إيه؟ كنت فاهمة. سمر كانت بتحاول تثبت رسميًا إن نور مستقرة عندي. مش لأنها عايزة تطمن عليها… لكن لأنها كانت بتبعد نفسها عن المسؤولية. احتفظت بالورقة. ومكنتش أعرف وقتها إنها هتبقى بعد سنين واحدة من أهم الأوراق في القصة كلها. — مرت السنين. نور كبرت. دخلت الجامعة. وبقت شخصية مختلفة تمامًا عن البنت الصغيرة اللي كانت بتخاف تفتح التلاجة من غير إذن. بقت قوية. ذكية. وعندها إصرار غريب إنها تعتمد على نفسها. وفي يوم تخرجها، كانت القاعة مليانة. أنا وحسام كنا قاعدين في الصف الأول. وسمر؟ مكنتش موجودة. نور طلعت تستلم شهادتها. ولما رجعت مكانها، قربت مني وقالت: —إنتِ عارفة إنك أول حد هبص له كل ما أحقق حاجة؟ دموعي نزلت. قلت: —وأنا أول حد هيكون فخور بيكي. ضحكت. لكن بعدها سألتني: —تفتكري ماما كانت هتكون فخورة بيا؟ السؤال رجع تاني. نفس السؤال. لكن المرة دي، نور كانت عندها 22 سنة. بصيت لها وقلت: —يمكن. قالت: —أنا مش محتاجة يمكن. وسكتت. — بعد تخرج نور بفترة، حصل شيء غير متوقع. سمر اتصلت بيا. بعد سنوات طويلة من البرود. قالت: —منى، محتاجة أشوفك. قلت: —فيه إيه؟ قالت: —أنا اتخطبت. سكت. ثم أضافت: —وفيه حفلة كبيرة قريب. فهمت إنها مش بتتصل عشان نور. كانت بتتصل عشان حياتها الجديدة. قلت: —مبروك. قالت بسرعة: —بس فيه حاجة مهمة. —إيه؟ —أنا مش عايزة أي مشاكل. استغربت. —مشاكل إيه؟ قالت: —نور. حسيت إني اتجمدت. —نور مش مشكلة يا سمر. قالت: —أنا عارفة… بس الناس اللي في حياتي الجديدة ميعرفوش عنها. سكت. —وخصوصًا خطيبي وأهله. قلت: —إنتِ مخبية بنتك؟ قالت: —أنا بدأت حياة جديدة يا منى. رديت عليها: —ونور جزء من حياتك القديمة؟ مردتش. وبعد ثواني قالت: —أنا مش مستعدة أفتح الموضوع ده دلوقتي. قلت: —وده مش قرارك لوحدك. قفلت المكالمة. — بعدها بأسابيع، وصلتني دعوة. مش من سمر شخصيًا. لكن من شركة تنظيم الحفل. حفلة كبيرة في فندق بالقاهرة. والسبب؟ سمر كانت بتعلن بداية حياتها الجديدة. وقتها نور كانت 25 سنة. قريت الدعوة. وبعدين حطيتها على الترابيزة. نور شافتها. قالت: —مين بعت دي؟ قلت: —مامتك. سكتت طويلًا. ثم قالت: —هي عايزاني أروح؟ قلت: —مش عارفة. نور ابتسمت ابتسامة صغيرة. —يمكن أخيرًا عايزة تعترف إني بنتها. مكنتش أعرف أرد عليها. لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها… إن سمر كانت مخططة لحاجة تانية تمامًا. بعد أيام، اتصلت بيا وقالت: —منى، عايزاكي تيجي الحفلة لوحدك. —ليه؟ —أنا مش عايزة نور تيجي. سكت. قالت: —وبلاش تفتحي أي حاجة عن الماضي قدام الناس. رديت عليها بهدوء: —اطمني. —يعني مش هتتكلمي؟ قلت: —مش هحتاج أتكلم. سكتت. وأنا كنت متأكدة من حاجة واحدة… إن الحقيقة أحيانًا مش محتاجة حد يدافع عنها. هي بتلاقي طريقها لوحدها. خصوصًا لما يكون فيه سر اتدفن سنين… ومستند واحد بس كفيل يطلعه للنور. والمفاجأة إن المستند ده… مكنش معايا أنا. كان موجود عند شخص محدش كان متوقع إنه يدخل في الحكاية أصلًا. وصل يوم الحفلة. من الصبح، وأنا حاسة إن فيه حاجة مش طبيعية. مش عارفة ليه، لكن كلام سمر في المكالمة الأخيرة كان بيرن في دماغي: «إوعي تفتحي أي حاجة عن الماضي.» الغريب إنها قالتها كأن الماضي ده سر يخصني أنا. مع إن الحقيقة إن الماضي ده كان بنتها. نور كانت عارفة إني رايحة الحفلة، لكنها ما حاولتش تمنعني. قبل ما أخرج، قالتلي: —خلي بالك من نفسك يا خالتي. ضحكت وقلت: —أنا رايحة حفلة مش حرب. ابتسمت. وبعدين قالت: —لو ماما سألت عني، قولي لها إني بخير. بصيت لها. —هي مش محتاجة تسأل… هي عارفة. ردت بهدوء: —يمكن. نفس الكلمة اللي قالتها يوم تخرجها. يمكن. — وصلت الفندق. المكان كان فخم جدًا. ورود في كل مكان. ترابيزة كبيرة عليها حلويات. وأنوار متعلقة في السقف. وصور لسمر وخطيبها رامي. وكان واضح جدًا إن سمر عملت مجهود كبير عشان تقدم للناس صورة معينة عن حياتها. حياة مثالية. عروسة جديدة. بيت جديد. وعيلة جديدة. لكن مفيش صورة واحدة لنور. ولا حتى اسمها. دخلت، ولقيت سمر واقفة وسط مجموعة من السيدات. أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة متوترة. جت عليا بسرعة. —إنتِ جيتي لوحدك؟ قلت: —زي ما طلبتي. ارتاحت. وبصوت منخفض قالت: —شكرًا. بصيت لها وقلت: —متقلقيش. قالت: —أنا مش عايزة حد يعرف أي حاجة. —أي حاجة عن إيه؟ سكتت. قلت: —عن بنتك؟ وشها اتغير. —منى، مش هنا. —تمام. مشيت. — بعد حوالي ساعة، بدأت الحفلة. رامي كان واقف جنب سمر وبيستقبل الضيوف. راجل هادي ومحترم في الظاهر. لكن لاحظت إنه كل شوية يسأل سمر عني. وفي لحظة، قرب مني وقال: —حضرتك أخت سمر؟ قلت: —أيوه. ابتسم. —أنا سمعت عنك كتير. استغربت. —غريبة. قال: —سمر بتقول إنك كنتِ واقفة جنبها في أصعب فترات حياتها. بصيت لسمر من بعيد. كانت بتبص علينا. قلت: —هي قالت كده؟ —أيوه. سكت لحظة، وبعدين قال: —بس فيه حاجة أنا مش فاهمها. قلبي دق. —إيه؟ قال: —ليه سمر مش بتتكلم عن أختها الصغيرة؟ كنت هرد. لكن قبل ما أتكلم، جت واحدة من قرايب رامي وسلمت عليه. الموضوع اتقطع. — بعد دقائق، حصل أول شيء غريب. سمعت صوت طفل. —ماما… هو مين الست دي؟ بصيت ناحية الصوت. كان ولد صغير واقف جنب ست، وباصص عليا. الست قالت له: —عيب يا حبيبي، سلم. الولد قرب. وقال: —حضرتك شبه طنط سمر. ضحكت. لكن سمر اللي كانت واقفة بعيد… وشها اتغير. الولد مشي. وبعده بدقائق، طفل تاني سأل سؤال أغرب. كان بيبص لصورة كبيرة لسمر ورامي وقال: —هو مش عند طنط سمر بنت كبيرة؟ سكتت القاعة للحظة. سمر قربت بسرعة. —لأ يا حبيبي، إنت لخبطت. الطفل رد بمنتهى البراءة: —بس أنا شفتها قبل كده. سمر مسكت إيده وأبعدته. بصيت لها. لكنها تجنبت عيني. — بعدها بدقائق، حصلت الحاجة اللي قلبت الحفلة كلها. أربع أطفال كانوا قاعدين في ركن قريب من البوفيه. كانوا بيتكلموا مع بعض. وفجأة واحد منهم قال: —البنت اللي كانت قاعدة على الكرسي ده اسمها نور. اتجمدت. الكلمة وصلتني بوضوح. نور. بصيت ناحية الأطفال. واحد منهم كمل: —أيوه… نور اللي خالتها منى بتجيبها هنا أحيانًا. الطفل التاني قال: —هي مش بنت طنط سمر؟ الثالث رد: —أيوه. والرابع قال كلمة واحدة: —أختنا. الصمت نزل على المكان. أنا نفسي مقدرتش أتحرك. سمر جريت ناحية الأطفال. —مين قال لكم الكلام ده؟ واحد منهم أشار لطفل تاني واقف بعيد. —هو قال لنا. رامي كان واقف مكانه. وشه اتغير. بص لسمر. —نور مين؟ سمر حاولت تضحك. —أطفال بيهزروا. رامي مضحكش. قال: —أنا بسألك… نور مين؟ سمر بدأت تتلعثم. —موضوع قديم. قال: —قد إيه قديم؟ مردتش. وفي اللحظة دي، رن موبايلي. كان رقم نور. رديت بسرعة. —أيوه يا حبيبتي؟ سمعتها بتقول: —خالتي… إنتِ وصلتي؟ قلت: —أيوه. —طمني، الحفلة كويسة؟ قبل ما أجاوب، كان رامي واقف قريب مني. سمع صوتها. قال: —دي مين؟ بصيت له. وبعدين بصيت لسمر. ومرة تانية، سمعت صوت نور في السماعة: —خالتي؟ مين معاكي؟ أنا مقلتش حاجة. لكن رامي مد إيده ناحية الموبايل. —ممكن أعرف مين اللي بيتكلم؟ سمر قالت بسرعة: —رامي، سيب الموبايل. بص لها. —يبقى إنتِ عارفة. — وفجأة، دخلت واحدة من موظفات الفندق وهي ماسكة ظرف بني. وقالت: —لو سمحتم… الظرف ده كان موجود في مكتب الاستقبال، وعليه اسم مدام سمر. سمر قربت. أخدته بسرعة. لكن قبل ما تفتحه، الموظفة قالت: —فيه ملاحظة مكتوبة عليه: «يتسلّم شخصيًا». رامي قال: —هاتيهولي. سمر اتراجعت. —لا. وهنا فهمت إن الظرف ده هو السبب الحقيقي في كل التوتر. رامي بص لها. —إنتِ مخبية إيه؟ سمر فتحت الظرف بإيد بتترعش. وأخرجت ورقة. قرت أول سطر. وفجأة، وشها فقد لونه. رامي أخذ الورقة من إيدها. قراها. وبص لها. ثم قال بصوت منخفض: —إنتِ كنتِ عارفة إنها بنتك طول الوقت؟ سمر مقلتش حاجة. لكن أنا كنت عارفة إن ده لسه أول الخيط. لأن الورقة اللي في إيد رامي… كانت مجرد نسخة. أما أصل المستند… فكان محفوظ من 13 سنة عند الشخص الوحيد اللي سمر كانت متأكدة إنه عمره ما هيتكلم. لكنها كانت غلطانة. لأن الشخص ده كان على وشك دخول الحفلة. القاعة كلها كانت ساكتة. رامي لسه ماسك الورقة، وعينيه بتتنقل بين السطور وبين سمر. قال لها: —إنتِ كنتِ مخبية عليا إن عندك بنت؟ سمر بلعت ريقها. —أنا… الموضوع مش زي ما إنت فاهم. رد عليها: —أمال زي إيه؟ —نور كانت عايشة مع خالتها من وهي صغيرة. رامي بص لها بعدم تصديق. —وده يغيّر إيه؟ سمر بدأت تتكلم بسرعة: —كانت ظروف صعبة… حادثة… علاج… وأنا مكنتش قادرة أتعامل مع الوضع. قال: —بس إنتِ قولتيلي إن مفيش أطفال. سمر سكتت. رامي كرر: —قولتيلي إنك مفيش عندك أولاد. وقتها، بدأت الهمسات تنتشر بين الموجودين. واحدة من قرايب رامي قالت: —يعني هي كانت مخبية بنتها؟ سمر صرخت: —أنا مش مخبية حد! رامي رد بهدوء: —إنتِ مخبية بنتك عني وعن كل الناس هنا. — وفجأة، باب القاعة اتفتح. ودخل رجل كبير في السن، ماسك ملف بني. أول ما شفته، عرفته. كان عم صبري. موظف سابق في مكتب الشؤون الاجتماعية اللي تابع حالة نور بعد الحادث. من 13 سنة، كان هو الشخص اللي ساعدنا نكمل الإجراءات الرسمية عشان نور تفضل عندي وتاخد علاجها. سمر أول ما شافته، اتجمدت. همست: —إنت بتعمل إيه هنا؟ عم صبري رد: —أنا مش جاي أفسد حفلتك. وبص للورق اللي في إيد رامي. —أنا جاي لأن فيه ورقة أصلية لازم توصل لصاحبتها. سمر قربت منه. —إنت وعدتني إن الموضوع هيفضل بينا. هنا، عم صبري هز رأسه. —أنا وعدتك إني أحافظ على الأوراق. مقلتش إني هزوّر الحقيقة. رامي سأله: —إيه الحقيقة؟ فتح الملف. وقال: —بعد حادث نور، والدتها حضرت بنفسها في البداية. سمر حاولت تقاطعه. —كفاية. لكنه كمل: —وفيه طلب رسمي اتقدم منها إنها تفضل عند أختها مؤقتًا. رامي قال: —مؤقتًا؟ عم صبري بص له. —الورقة الأولى كانت لمدة محددة. سمر بدأت تتوتر. —وبعدين؟ رد: —بعد انتهاء المدة، كان المفروض يتم تجديد الإقامة أو رجوع الطفلة لوالدتها. سكت لحظة. ثم أضاف: —لكن حصل شيء تاني. فتح صفحة تانية. —والدة نور قدمت إقرارًا مكتوبًا إنها غير قادرة على توفير الرعاية اليومية لبنتها. القاعة بدأت تسكت أكتر. رامي بص لسمر. —إنتِ كتبتي ده؟ سمر قالت: —كنت مضطرة. عم صبري رد: —محدش أجبرك. — كنت واقفة في مكاني ومش عارفة أتكلم. لأن الورقة دي كانت أول مرة أشوفها من 13 سنة. قلت: —عم صبري… إنت احتفظت بيها كل ده؟ قال: —لأنها وثيقة تخص نور. ثم بص لي. —وأنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي. سمر صرخت: —أي يوم؟! رد: —اليوم اللي هتحاولي فيه تقولي إن البنت دي مكنتش جزء من حياتك. رامي قرب من سمر. —إنتِ كنتِ عارفة إنها موجودة من أول يوم. —أيوه. —وسبتيها عند أختك؟ سمر سكتت. —13 سنة؟ سكتت تاني. قال: —وليه؟ هنا، سمر انفجرت. —لأني كنت صغيرة! لأني مكنتش مستعدة! لأني كان عندي حق أبدأ حياتي! بصيت لها وقلت بهدوء: —كان عندك حق تبدأي حياتك. سمر بصتلي. كملت: —بس مكنش عندك حق تمحي حياة بنتك من حياتك. سكتت. — رامي كان واضح إنه مصدوم. قال: —فين نور دلوقتي؟ سمر مردتش. أنا قلت: —في بيتها. رامي بصلي. —بيتها؟ قلت: —أيوه. البيت اللي كبرت فيه. سأل: —ومين رباها؟ قبل ما أجاوب، عم صبري قال: —خالتها. رامي بص لسمر. —يعني أختك هي اللي ربت بنتك؟ سمر بدأت تبكي. —أنا كنت ببعت فلوس. ضحكت ضحكة حزينة. —الفلوس مش تربية يا سمر. ردت بعصبية: —إنتِ كمان أخدتي مني بنتي! هنا لأول مرة صوتي علي. —أنا؟! القاعة كلها سكتت. قلت: —إنتِ اللي سيبتيها. سمر بكت وقالت: —أنا كنت خايفة. —وأنا كنت خايفة. —إنتِ مكنتيش فاهمة اللي أنا فيه. —وأنتِ مكنتيش فاهمة اللي بنتك كانت فيه. — وفجأة، سمعنا صوت من خلفنا: —ممكن أنا أتكلم؟ كلنا لفينا. كانت نور. واقفة عند باب القاعة. كنت متأكدة إنها مش هتيجي. لكنها كانت هناك. لابسة فستان بسيط وأنيق. ووشها هادي بشكل غريب. سمر أول ما شافتها، شهقت. —نور؟ نور دخلت بهدوء. وبصت لأمها. وقالت: —أيوه. سمر قربت منها. —إنتِ جيتي ليه؟ نور ابتسمت. —عشان أول مرة في حياتي أسمع إن الناس كلها بتتكلم عني وأنا مش موجودة. سمر بدأت تبكي. —أنا آسفة. نور قالت: —متعتذريش عشاني. سمر سكتت. نور كملت: —اعتذري لنفسك. رامي كان واقف مش قادر يتكلم. نور بصت له وقالت: —أنا بنتها. ثم أشارت ناحية خالتي. —ودي الست اللي ربتني. وبصت لسمر مرة تانية. —أما أمي… فهي الست اللي ولدتني. الجملة وقعت على سمر كأنها صفعة. لكن نور لسه مخلصتش. أخرجت من حقيبتها ورقة مطوية. وقالت: —بس فيه حاجة إنتِ مش عارفاها. سمر سألت: —إيه؟ نور فتحت الورقة. —أنا لقيت المستند الأصلي من يومين. سمر اتجمدت. —مستند إيه؟ نور بصت لي. وبعدين قالت: —المستند اللي مكتوب فيه مين اللي اختار يسيبني. وفجأة… بدأت أربع أصوات أطفال من آخر القاعة تتكلم في نفس الوقت. وكانت جملة واحدة هي اللي خلت رامي ياخد قرارًا غيّر كل حاجة. لكن اللي محدش كان يعرفه… إن المستند ده مش آخر مفاجأة. لأن فيه توقيع تاني على الورقة… وتوقيع الشخص ده كان أخطر من توقيع سمر نفسها. نور فضلت واقفة قدام سمر، والورقة في إيدها. القاعة كلها كانت ساكتة. رامي قرب منها وقال: —ممكن أشوف الورقة؟ نور بصت له ثواني، وبعدين ادتهاله. قرأ أول سطر… وبعدين التاني… وملامحه بدأت تتغير. رفع عينه وبص لسمر. —ده توقيعك؟ سمر ما ردتش. —سمر… بسألك، ده توقيعك؟ قالت بصوت ضعيف: —أيوه. رامي رجع يبص للورقة. كان مكتوب فيها إن سمر، بعد مرور الفترة الأولى من رعاية نور عند خالتها، وافقت بإرادتها على استمرار إقامة ابنتها عند خالتها، مع علمها الكامل بحالتها الطبية واحتياجاتها. لكن كان فيه جزء تاني أهم. جزء محدش كان يعرف عنه حاجة. إقرار تاني مكتوب بخط اليد. وفيه جملة واضحة: «أقر بأن ابنتي نور ستظل في رعاية أختي، وأنا أتحمل مسؤولية قراري.» رامي رفع الورقة وقال: —يعني مفيش حد أخد بنتك منك. سمر بدأت تبكي. —أنا كنت صغيرة. نور ردت: —وأنا كنت أصغر. الصمت رجع تاني. — رامي كان واضح إنه محتاج وقت يستوعب كل اللي حصل. قال لسمر: —ليه مخبية ده كله؟ قالت: —كنت خايفة أخسرك. رد: —ولو كنتِ قلتيلي من البداية؟ —مكنتش هتتجوزني. قال: —إنتِ مش عارفة. ثم سكت لحظة. —بس كنت هعرف الحقيقة. سمر بصت في الأرض. رامي خلع خاتم الخطوبة من إيده. الناس بدأت تتحرك في القاعة، لكن محدش كان بيتكلم بصوت عالي. حط الخاتم على الترابيزة. وقال: —أنا محتاج أمشي. سمر جريت وراه: —رامي، استنى! لكنه وقف عند الباب. وبص لها. —أنا مش ماشي عشان عندك بنت. ثم بص لنور. —أنا ماشي لأنك اخترتي تخبي وجودها عني 13 سنة. وخرج. — بعد ما خرج رامي، سمر انهارت. قعدت على أقرب كرسي وهي بتعيط. وبصت لنور. —أنا آسفة. نور كانت هادية. —أنا سمعت الكلمة دي قبل كده. —هتديني فرصة؟ نور سكتت. وبعدين قالت: —فرصة لإيه؟ سمر رفعت عينيها. —أكون أمك. نور ابتسمت ابتسامة صغيرة. —الأمومة مش بتبدأ بعد 13 سنة بمجرد إنك تقولي «آسفة». سمر بكت أكتر. —أعمل إيه؟ نور ردت: —متعمليش حاجة عشاني. —يعني إيه؟ —لو عايزة تصلحي اللي حصل، أصلحيه عشان نفسك الأول. ثم بصت لي. —وأنا مش همنعك. — كنت فاكرة إن الموضوع انتهى. لكن عم صبري قرب مني وقال: —لسه فيه حاجة. بصيت له. —إيه؟ طلع من الملف ورقة صغيرة جدًا. وقال: —دي كانت مرفقة بالمستند الأصلي. فتحتها. ولقيت توقيعًا أعرفه جيدًا. توقيع حسام. جوزي. إيدي بدأت ترتعش. قلت: —حسام؟ عم صبري هز رأسه. —أيوه. رجعت أقرأ الورقة. كان فيها إقرار من حسام إنه كان على علم من البداية إن إقامة نور عندنا مش مجرد استضافة مؤقتة. وإنه وافق على تحمل مسؤوليتها معي. لكن ده كان مستحيل… لأن حسام طول السنين اللي فاتت كان بيقول لي إن وجود نور في البيت «ضغط علينا». وبعدها… كان جوازي منه انتهى فعلًا. فضلت سنين فاكرة إن السبب هو الظروف والمسؤوليات. لكن الورقة دي كانت بتقول إن فيه حاجة تانية. بصيت لعم صبري وقلت: —إنت جبت الورقة دي منين؟ قال: —من الملف القديم. —وليه محدش قالي عنها؟ رد: —لأنها كانت ضمن مستندات الرعاية، ومحدش طلبها طوال السنين دي. قلبي كان بيدق بسرعة. نور قربت مني. —خالتي، إيه اللي فيها؟ بصيت لها. ومقدرتش أخبي. قلت: —فيها توقيع حسام. نور اتفاجئت. —حسام وافق من البداية؟ هزيت رأسي. —واضح إنه كان عارف أكتر بكتير مما قالهولي. — رجعت البيت في الليلة دي وأنا مش قادرة أنام. فتحت صندوق قديم كنت محتفظة فيه بكل أوراق نور. شهادات. تقارير علاج. إيصالات. صور قديمة. وأوراق من المستشفى. وبينهم لقيت ظرفًا صغيرًا. كان عليه خط حسام. فتحته. جواه ورقة واحدة. وأول ما قريتها… حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. لأن حسام كان كاتب فيها، قبل سنوات طويلة: «منى، لو في يوم سألتي نفسك ليه أنا وافقت على كل ده، هتعرفي إن الموضوع مكنش مجرد مساعدة لأختك… نور كانت محتاجة حد يحميها من قرار اتاخد ضدها.» وقفت مكاني. يعني حسام كان عارف. وعارف أكتر مني. لكن ليه سكت؟ وليه بعد سنين بدأ يتعامل مع نور كأنها سبب كل المشاكل؟ قلبت الورقة. وفي ظهرها كان فيه اسم واحد… اسم الشخص اللي اتكلم مع حسام وقتها. والاسم ده كان كفيل يفتح سر أكبر من حكاية سمر ونور كلها. لأن الشخص ده كان والد نور نفسه… محمود. اتجمدت وأنا ببص على الاسم المكتوب خلف الورقة. محمود. والد نور. الشخص اللي كنت فاكرة إنه اختفى من حياتنا بعد الطلاق، وإن أقصى حاجة عملها إنه كان يبعت فلوس من وقت للتاني. لكن واضح إن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. اتصلت بنور وطلبت منها تيجي تقعد جنبي. حطيت الورقة قدامها. قريتها مرة… وبعدين مرة تانية. قالت: —بابا كان عارف؟ قلت: —واضح إنه كان عارف أكتر مما كنا متخيلين. في اليوم التالي، اتصلنا بمحمود. في البداية حاول يهرب من الكلام. لكن لما قلت له إننا لقينا المستندات القديمة، سكت فترة طويلة. ثم قال: —كنت عارف إن اليوم ده هييجي. سألته نور: —ليه سبتني؟ رد بصوت مكسور: —أنا مكنتش قادر آخدك وقتها. —ليه؟ —لأني كنت داخل في قضية وشغلي كان على وشك يضيع، وكنت خايف آخدك معايا في حياة مش مستقرة. نور قالت: —بس كنت تقدر تزورني. سكت. —كنت تقدر تسأل عليا. سكت تاني. ثم قال: —كنت غلطان. نور غمضت عينيها. وقالت: —أنا مش محتاجة أعذار. —أنا عارف. —أنا كنت محتاجة أب وأم… مش أوراق وفلوس. محمود بكى. لكن نور ما بكتش. قالت له: —لو عايز تدخل حياتي دلوقتي، ادخلها بصراحة. من غير وعود كبيرة. رد: —هعمل كده. — بعد المكالمة، رجعت نور تبص للورق. قالت: —خالتي، إنتِ ليه مخبيتيش عني؟ قلت: —لأني كنت مستنية اليوم اللي تقدري تعرفي فيه الحقيقة من غير ما تحسي إنك السبب في أي حاجة. قالت: —وأنا كنت فاكرة طول الوقت إن ماما سابتني عشان الكرسي. هزيت رأسي. —هي اختارت قرارها. نور قالت بهدوء: —وأنا اخترت حياتي. — بعد أسابيع، سمر حاولت تقرب من نور. المرة دي من غير حفلات. ولا صور. ولا ناس. راحت بيتنا لوحدها. وقفت قدام الباب، ولما شافت نور قالت: —ممكن أدخل؟ نور سكتت لحظات. ثم قالت: —اتفضلي. قعدوا لوحدهم. وأنا دخلت المطبخ. مسمعتش كلامهم. ومعرفتش إيه اللي اتقال. لكن بعد ساعة، خرجت نور. وشها كان هادي. سألتها: —حصل إيه؟ قالت: —اتكلمنا. —وبس؟ ابتسمت. —أيوه. —سامحتيها؟ فكرت شوية. —مش عارفة. ثم قالت: —بس قررت إني مش هعيش طول عمري وأنا شايلة غضبها جوايا. حضنتها. وقلت: —وده كفاية. — أما سمر، فحياتها الجديدة انتهت قبل ما تبدأ. لكن المفاجأة إن رامي، بعد فترة، رجع يتواصل معها. مش عشان يرجعوا لبعض. لكن عشان يقول لها حاجة واحدة: —لو في يوم قدرتي تكوني صريحة مع نفسك، ابقي كلمي نور. وبعدها مشي. — أما أنا، ففضلت محتفظة بكل الأوراق. مش عشان أستخدمها ضد حد. لكن عشان نور تعرف الحقيقة كاملة لو احتاجتها يومًا. وبعد مرور شهور، عملنا حاجة بسيطة جدًا. احتفلنا بعيد ميلاد نور. مش حفلة كبيرة. ولا فندق. ولا ناس كتير. أنا، نور، حسام؟ لا. حسام كان بقى جزء من الماضي. ومحمود حضر بعد ما نور وافقت. حتى سمر حضرت. وقعدت في آخر الترابيزة. ولأول مرة، لما حد سألها: —دي بنتك؟ مبصتش في الأرض. ولا حاولت تغيّر الموضوع. قالت: —أيوه. ثم بصت لنور. —دي بنتي. نور فضلت ساكتة. لكنها ابتسمت. — وفي آخر الليل، وأنا بجمع الأطباق، نور قربت مني. وقالت: —خالتي؟ —نعم؟ —فاكرة اليوم اللي سألتك فيه وأنا عندي 12 سنة: «لسه عايزاني هنا؟» ابتسمت. —فاكرة. قالت: —أنا عايزة أقولك حاجة. —قولي. —شكرًا إنك قولتي «آه». ضحكت وأنا بدمع. قلت: —دي كانت أسهل كلمة قلتها في حياتي. حضنتني. وقالت: —بس كانت أهم كلمة. وقتها فهمت إن الـ13 سنة اللي فاتوا مكنوش ضياع. كانوا حياة كاملة. حياة بدأت بحادث. وبأم خافت من مسؤوليتها. وأب هرب من مواجهة الحقيقة. وبيت صغير فتح بابه لطفلة كانت فاكرة إنها عبء. لكن في النهاية… نور مكنتش محتاجة حد ينقذها. كانت محتاجة بس حد يقول لها: «إنتِ مش عبء… وإنتِ تستحقي تتعاش حياتك كاملة.» وأنا؟ عمري ما ندمت على كلمة «آه» اللي قلتها لها في الليلة دي. لأنها كانت اللحظة اللي بدأت فيها نور تكون بنتي بالقلب… حتى لو الدنيا كلها احتاجت 13 سنة عشان تعرف الحقيقة. تمت